بناء الدولة مسؤولية مشتركة: قراءة في واقع موريتانيا وتحديات المرحلة/ سيدي ولد إبراهيم ولد إبراهيم

خميس, 10/29/2026 - 23:42

في عالمنا العربي والإفريقي، يسود تصور يجعل الدول والحكومات مسؤولة وحدها عن مختلف القضايا الوطنية، وكأن بناء الدول شأن الحكومات وحدها، لا مسؤولية الشعوب أيضا. وهنا يبدأ أحد الاختلالات البنيوية في مسار بناء الدول؛ فالحكومات، مهما بلغت قدراتها وتوافرت لها الإمكانات، لا تستطيع وحدها بناء دولة قوية، ولا الاضطلاع بمهامها على الوجه الأمثل دون قيام الشعوب بواجباتها الوطنية. فبناء الدول لا يقوم على القرارات والموارد وحدها، بل يتطلب مجتمعا يشارك في العمل والإنتاج، ويحترم القانون، ويتحمل مسؤولياته الوطنية، ومؤسسات تتكامل أدوارها في مواجهة التحديات وإيجاد الحلول.

 

وتزداد خطورة هذا الاختلال حين تتعامل الشعوب، وهي صاحبة السيادة ومصدر السلطة في دولها، مع الحكومات وكأنها المسؤولة وحدها عن كل نجاح يتحقق أو إخفاق يقع، متناسية أن مسؤوليتها في بناء دولها مسؤولية أصيلة لا يمكن أن ينوب عنها فيها أحد. فالرقابة على أداء الحكومات ومحاسبتها حق أصيل للشعوب، غير أن الاكتفاء بإصدار الأحكام وتقييم الأداء من موقع المتفرج لا يفي بمسؤوليتها الوطنية، التي تقتضي المشاركة الواعية في الشأن العام، والعمل والإنتاج، وتقديم المقترحات وصياغة البدائل، والإسهام الفعلي في إيجاد الحلول للتحديات التي تواجه دولها. وتتحمل النخب السياسية والفكرية والثقافية مسؤولية معتبرة في هذا المسار، لا تقتصر على التعبير عن مطالب المجتمع، بل تشمل تحويلها إلى رؤى ومقترحات قابلة للتنفيذ.

 

وفي موريتانيا، واجهت الدولة خلال العقود الماضية ظروفا اقتصادية ومالية صعبة، في ظل محدودية مواردها وتراكم التزاماتها، وتأثر اقتصادها بتوجهات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبالسياسات المرتبطة ببرامجها وشروطها وأهدافها التنموية. كما شكل تراكم الديون وانعكاساتها على التوازنات المالية قيدا على استقلالية القرار الاقتصادي الوطني، وحد من قدرة الدولة على التحكم الكامل في خياراتها الاقتصادية. وفي ظل هذه الظروف، كان من المفهوم أن تكون مسؤولية المواطنين عن بعض الاختلالات المتراكمة عبر الزمن محدودة، بالنظر إلى طبيعة التحديات التي واجهتها الدولة والمجتمع. غير أن محدودية المسؤولية عن اختلالات الماضي لا تعفي المواطنين من واجب المشاركة في بناء الدولة والإسهام في نهضتها.

 

لكننا اليوم، ومنذ تولي فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الحكم سنة 2019، أصبحنا أمام تحولات تستدعي مساءلة مستوى مشاركة الشعب الموريتاني، وفي مقدمته النخب السياسية والفكرية والثقافية وأصحاب الرأي ومكونات المجتمع المدني، في مواكبة هذه المرحلة. فقد حافظ رئيس الجمهورية على استمرار الاستقرار الأمني وعززه، وأرسى إصلاحات مالية واقتصادية أسهمت في ضبط التوازنات المالية وتحسين إدارة الموارد العامة ووضعية المالية العامة، وتحقيق تراجع معتبر ومهم في مستوى المديونية. كما سجلت الخزينة العامة مؤشرات تحسن أتاحت برمجة تسوية جزء من الديون الداخلية والعمل على تصفية بعضها، إلى جانب معالجة بعض الالتزامات في إطار العلاقات التي تربط رئيس الجمهورية بنظرائه. وعززت الدولة ثقة شركاء التنمية، وفي مقدمتهم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الإفريقي للتنمية، إلى جانب مؤسسات وهيئات استثمارية أخرى. وأسهمت هذه الجهود في تحسين صورة موريتانيا لدى الشركاء والمستثمرين الدوليين، وتوسيع فرص التمويل والاستثمار والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية الكبيرة والمتنوعة التي تزخر بها البلاد. وعلى الصعيد السياسي، أرسى رئيس الجمهورية نهجا من الانفتاح على المعارضة، أتاح لها حضورا ومشاركة أوسع في الشأن العام، باعتبارها طرفا أساسيا في بناء الدولة وتحقيق التنمية.

 

وعلى الصعيد الدبلوماسي، جاء اختيار فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رئيسا للاتحاد الإفريقي سنة 2024، بتوافق القادة الأفارقة، تعبيرا عن مكانة موريتانيا وحضورها الإقليمي والدولي، وما اتسمت به سياسته من انفتاح وتعاط مع القضايا الإفريقية والتحديات التي تواجه القارة. ولم يقتصر هذا الحضور على تولي رئاسة الاتحاد، بل امتد إلى تمثيل القارة في المحافل الدولية الكبرى، والمساهمة في معالجة قضاياها السياسية والأمنية والتنموية. كما تعزز الحضور الموريتاني في قيادة المؤسسات الإقليمية والدولية، من خلال انتخاب الدكتور سيدي ولد التاه رئيسا للبنك الإفريقي للتنمية سنة 2025، وانتخاب السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي سنة 2026، بما يعكس اتساع الحضور الموريتاني في المؤسسات الإفريقية والإسلامية، وقدرة الدبلوماسية الوطنية على بناء التوافقات وحشد التأييد للترشيحات الموريتانية. وتبرز هذه المحطات دور الدبلوماسية في تعزيز مكانة الدول وتوسيع آفاق التعاون وفتح فرص جديدة لخدمة مصالحها الاقتصادية والتنموية.

 

إن هذه التحولات والمكاسب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية تضع الشعب الموريتاني، وفي مقدمته نخبه السياسية والفكرية والثقافية، أمام مسؤولية وطنية تفرض إيلاء بناء الدولة الاهتمام الذي يستحقه، والانتقال من الاكتفاء بتقييم أداء السلطة إلى المشاركة الفعلية في تحديد الأولويات الوطنية وصياغة الرؤى وتقديم المقاربات والبدائل والحلول للتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما تفرض على النخب القيام بدورها في إنارة القيادة الوطنية، وتأطير النقاش العام، وتوعية المواطنين بطبيعة المرحلة ومتطلباتها، وبحجم التنافس الدولي الذي يفرض على الدول رفع مستوى جاهزيتها وقدرتها على حماية مصالحها واستثمار إمكاناتها. فالاستقرار والمكاسب الاقتصادية والدبلوماسية تهيئ فرص التقدم، لكنها لا تتحول إلى تنمية مستدامة إلا بقدرة الدولة والمجتمع على استثمارها وتحويلها إلى مشاريع ومبادرات ونتائج ملموسة. ولم تعد مسؤولية النخب تقتصر على تقييم ما تنجزه الدولة، بل تشمل أيضا المساهمة في تحديد ما ينبغي إنجازه، واقتراح الوسائل الكفيلة بتحقيقه.

 

إن بناء الدولة مسؤولية وطنية مشتركة لا تستطيع الحكومة النهوض بها وحدها، مهما توفرت لها الإرادة والإمكانات؛ فنجاح المشروع الوطني يقتضي شعبا يدرك حقوقه ويؤدي واجباته، ونخبة تتحمل مسؤوليتها السياسية والفكرية، ومؤسسات تتكامل أدوارها في خدمة المصالح العليا للوطن. ومن هنا، فإن رفع مستوى الوعي الوطني وترسيخ ثقافة المسؤولية والمشاركة لم يعودا خيارا يقبل التأجيل، بل أصبحا واجبا وطنيا تفرضه تحديات المرحلة ومتطلبات المستقبل.

 

 

سيدي ولد إبراهيم ولد إبراهيم

إعلانات

 

إعلان