أوهام الهيمنة و حقائق السيادة: قراءة في المرتكزات التاريخية و القانونية لاستقلال موريتانيا/ اباي ولد اداعة

أحد, 10/25/2026 - 18:30

تثير التصريحات المتكررة للرئيس الأسبق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور أحمد الريسوني، بشأن السيادة الموريتانية وإصراره على وصفه بالصنيعة الاستعمارية أو التشكيك في وجودها التاريخي، الكثير من التساؤلات حول الخلفيات والدوافع الفكرية التي تقف وراء هذا النوع من الخطاب المأزوم،

خاصة ان نفس التصريحات سبق و ان تسببت في أزمة دبلوماسية و دينية واسعة و موجة غضب عارمة عام 2022 انتهت بالإطاحة به من هرم هذه المنظمة الإسلامية الدولية الهامة .

 و تتكرر اليوم من جديد في وقت تحتاج فيه المنطقة المغاربية إلى لغة التقارب والبناء لا إلى منطق الهيمنة و الإقصاء.

إذا استنطقنا التاريخ بإنصاف وعلمية، بعيداً عن الرغبات الايديولوجية أو التوظيف السياسي، فإن الادعاء بتبعية مجال شنقيط (موريتانيا الحالية) للدولة المغربية عبر التاريخ يفتقر إلى السند العلمي الرصين. فالتاريخ القديم والوسيط للمنطقة يروي قصة مغايرة تماماً، حيث انطلقت من هذه الربوع الطاهرة نواة الدولة المرابطية، وهي الإمبراطورية العظمى التي وحّدت الشمال و الجنوب، ولم تكن يوماً تابعة لأي مركز خارجي، بل كانت هي المركز الذي مدّ ظلاله نحو الشمال و حمى الأندلس .

و في العصور اللاحقة، يُجمع كبار المؤرخين و الباحثين المتخصصين في تاريخ المنطقة مثل المؤرخ الموريتاني البارز المختار ولد حامدن في موسوعته التاريخية، و المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري في كتابه الشهير ( الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى )، و الباحث و الفقيه محمد المختار ولد اباه على أن الفضاء الشنقيطي ظل محكوماً بإماراته المحلية المستقلة (مثل إمارات الترارزة، البراكنة، آدرار، وتكانت) التي كانت تدير شؤونها السياسية و العسكرية و الاقتصادية بسيادة تامة.

أما الحديث عن بيعات لسلاطين المغرب لم يكن في حقيقته سوى روابط روحية و دينية و ثقافية عامة، فرضتها وحدة المذهب المالكي والروابط القبلية والصوفية، وهي بيعات ولاء معنوي وتقدير للمقام الشريف، ولم تترجم يوماً في التاريخ إلى إدارة سياسية فعلية، أو جباية للضرائب، أو سيادة قانونية إقليمية للمخزن المغربي على الفضاء الشنقيطي، الذي ظل محكوما بإماراته المحلية المستقلة وثقافته الشنقيطية الخاصة ذات العطاء العلمي المتميز.

وعلى صعيد القانون الدولي المعاصر و الواقع السياسي، فإن شرعية الدولة الموريتانية لا تحتاج إلى صك غفران أو شهادة ميلاد من أي جهة او أي كان ،

 إن موريتانيا اليوم هي دولة كاملة السيادة، وعضو مؤسس وفاعل في كافة المحافل الأممية و الإقليمية بدءاً من الأمم المتحدة، ومروراً بجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الإفريقي، وصولاً إلى اتحاد المغرب العربي. وهذه العضوية الكاملة والمستقلة هي أسطع دليل قانوني وسياسي على الهوية الوطنية الثابتة التي انتزعها الشعب الموريتاني بنضاله و واقعية قيادته التاريخية بقيادة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه. رحمه الله ،

إن إصرار بعض الشخصيات العامة على إثارة هذه الملفات الحساسة في فضاءات الإعلام و المنصات الرقمية يُعد مجازفة غير محسوبة العواقب وتفاهات فكرية تسيء إلى علاقات الأخوة و الجوار بين شعبين مسلمين شقيقين. إن من أوجب واجبات النخب الفكرية و الدينية النأي بنفسها عن إذكاء نعرات الخلاف، و ترك التاريخ لأهله المتخصصين في مدرجات الجامعات ومراكز البحث، و التركيز بدلاً من ذلك على تعزيز أواصر الشراكة والاحترام المتبادل، فالمستقبل يُبنى على اعتراف و تكامل الدول المستقلة، لا على استدعاء أوهام ماضوية تجاوزها منطق العصر وحقائق الجغرافيا والقانون الدولي ،

 

     حفظ الله موريتانيا الحبيبة ودام عليها و على جميع جيرانها الأمن و الاستقرار والرخاء .

     اباي ولد اداعة.

إعلانات

 

إعلان