
على أعتاب الحوار الوطني، تبرز ضرورة تحديد ملامح موريتانيا التي نريد بناءها وتوريثها للأجيال القادمة: دولة عادلة، ومجتمع متصالح ومتضامن، ومؤسسات تضمن الحريات وتكافؤ الفرص، وحكامة تحسّن حياة المواطنين. ويقتضي هذا الطموح معالجة ملفات الإرث الإنساني ومخلّفات الاسترقاق، وتعزيز التوازن بين السلطات، وتطوير التمثيل السياسي، ضمن التزامات واضحة وآليات فعّالة للتنفيذ والمتابعة.
ولكي يؤسس الحوار لهذا المشروع، ينبغي أن يتسع لمناقشة الخيارات الدستورية المنظمة للحياة السياسية، بما فيها عدد المأموريات الرئاسية والقيود المتعلقة بمراجعتها. فالقواعد التي وُضعت استجابة لظروف تاريخية وسياسية معينة تستحق إعادة التقييم حين تتغير الظروف والأولويات. ومن حق الأجيال المتعاقبة أن تناقش تنظيم مؤسساتها، وأن تطوّره بما يستجيب لحاجاتها، مع صون الحقوق والحريات وضمان المشاركة والمساءلة.
ومن هذا المنظور، فإن إغلاق باب المراجعة نهائيًا أمام قواعد تنظيم السلطة يثير اعتراضًا ديمقراطيًا جوهريًا: كيف يُقرّ بمبدأ سيادة الشعب، ثم يُمنع من إعادة النظر في خيارات مؤسسية مهما تبدلت الظروف؟ إن التحصين الأجدر بالحماية الدائمة هو ما يصون هوية البلاد وانتماءها، واستقلالها وسيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها، والمواطنة المتساوية والحقوق والحريات الأساسية.
أما ترتيبات ممارسة السلطة، فينبغي أن تظل قابلة للنقاش والتطوير، وفق ضمانات تحول دون الانفراد بالقرار أو إضعاف التعددية. فمشروعية التعديل تستند إلى حرية الإرادة الشعبية وسلامة إجراءاته ومضمونه.
وعليه، يتعيّن على المحاورين من أحزاب الأغلبية الرئاسية إدراج هذه الإصلاحات ضمن مقترحاتها للحوار، والدفاع بوضوح عن إتاحة ترشّح فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، لمأمورية ثالثة. فالمشروع الإصلاحي لم يكتمل بعد، وتنفيذ مخرجات الحوار وترسيخ التحولات المتوافق عليها يتطلبان استمرارية النهج ووقتًا كافيًا للإنجاز، وهذا هو التوجّه الذي يدعمه نواب حزب الإنصاف، بما يمثّلونه من أغلبية برلمانية واسعة.
إن الدعوات إلى الاستمرارية ومظاهر التأييد في مختلف مناطق البلاد تفرض إدراج هذا المطلب ضمن جدول أعمال الحوار الوطني، وتُلزم أحزاب الأغلبية الرئاسية بتبنّيه والدفاع عنه بوضوح. ويقتضي ذلك بحث السبل الدستورية والقانونية اللازمة لإتاحة ترشّح رئيس الجمهورية لمأمورية ثالثة، والعمل على تهيئة شروطها، مع ضمان حرية التنافس والتعددية ونزاهة الانتخابات، ليبقى للشعب وحده قرار تجديد الثقة بالرئيس.
نحن واثقون بأن هذه الاستمرارية ستُمكّن من استكمال مسار الإصلاح وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، في إطار ميثاق وطني واضح، وبرنامج تنفيذي محدد المدة، وأهداف قابلة للقياس، وآليات فعّالة للمتابعة والمساءلة. وبذلك تكون المأمورية الثالثة المقترحة مأموريةً لإنجاز التوافق الوطني وترسيخ مكتسباته وتحويله إلى نتائج ملموسة تحسّن حياة الموريتانيين وتستجيب لتطلعاتهم.
النائب عن مقاطعة نواذيبو: دداهي ولد الغيلاني








