في حوار خاص مع تواتر، يقدم السياسي والوزير الأول السابق، إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، قراءة في خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بمدينة أطار، متوقفاً عند دلالاته السياسية والتاريخية، وما حمله من رسائل بشأن مستقبل البلاد ومسار الحوار الوطني.
ويتناول الحوار جملة من القضايا، من بينها شروط نجاح الحوار، وضمان مشاركة مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، وأهمية تجاوز الحسابات الظرفية نحو نقاش وطني هادئ يفضي إلى رؤية مشتركة حول مستقبل موريتانيا.
كيف قرأ ولد الشيخ سيديا خطاب أطار؟ وما الذي يميز الحوار المرتقب عن المبادرات السابقة؟ وأي موريتانيا يمكن أن يصنعها توافق وطني واسع؟
التفاصيل في هذا الحوار:
كيف تلقّيتم خطاب أطار؟
أشكركم على هذه الدعوة الكريمة.
خطاب أطار لحظة سيسجلها التاريخ، ويشرفني أن أدلي برأيي في شأنه.
لقد أثر فيّ هذا الخطاب التاريخي واستوقفني في آن واحد. فمن الكلمات ما يُخبر ومنها ما يلزم أمة بأسرها؛ وكلمات أطار تلزم موريتانيا.
لقد تحلى فخامةُ رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بالبصيرة حين أعاد، بعد قرابة سبعين عاماً من طرحه لأول مرة، طرح السؤال الذي تزكه لنا فخامةُ الرئيس المختار ولد داداه إثراً منذ سنة 1957: أيّ موريتانيا نريد؟
وليس هذا سؤالاً اعتباطياً، بل هو أعمق سؤال سياسي يمكن أن يطرحه رئيس دولة على شعبه.
هل تـــرون فـــي اختيار أدرار منبرًا لهذا الخطاب دلالةً خاصـــــة؟
دلالة عميقة، ولا أؤمن بالمصادفة في مثل هذه الاختيارات، فأطار وأدرار يجسدان موريتانيا أصدق تجسيد بكل أبعادها الثقافية والتاريخية.
إنها أرض عريقة، ملتقى حضاراتٍ، وأرض كدّ وقوافل ومعارف. غير أنها، قبل كل شيء، رمز لوحدة وطنية ناجحة بامتياز؛ فيها وجدت جميعُ مكونات مجتمعنا سبيلها إلى الازدهار والنجاح والتماسك.
أدرار صورة صادقة لما يمكن أن نكونه حين يختار بعضنا بعضاً. وإلقاء هذا الخطاب هناك رسالة مفادها أنّ هذه الكلمة ملك لجميع الموريتانيين؛ فهي لا تصدر عن جهة بعينها، بل تنبع من صميم تاريخنا المشترك.
ما الذي يجمع بين هاتين اللحظتين من تاريخ بلدنا؟
يجمع بينهما الحرص ذاته على مواجهة السؤال الجوهري بوضوح وبصيرة: أيّ موريتانيا نريد؟
لقد طرحه فخامةُ الرئيس المختار ولد داداه منذ سنة 1957، قبل الاستقلال بسنوات، في مواجهة دولة كان لا بد من تشييدها من أساسها؛ فكان عليه أن يُرسي المؤسسات، ويصوغ الميثاق الوطني، ويبلور هوية بلد لم يكن قد تبوأ بعد مكانته كاملة على خريطة العالم. ثم تواصلت من بعده جهود بناء الوطن، مستفيدةً من مكتسبات كل مرحلة وتجاربها ودروسها.
وقد آن الأوان لتقييم هذا المسار الطويل. فها هو فخامةُ رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يعيد اليوم طرح هذا السؤال المؤسس انطلاقاً من ذلك الإرث الجماعي؛ قرابة سبعين عاماً من التاريخ والتحولات العميقة، وأجيالٌ جديدة لا تجد طموحاتها دائماً مكانها في إطار مؤسسي يضم لحقبة أخرى. إنه فعلُ مسؤوليةٍ وتكليف.
ما الذي يجمع بين هاتين اللحظتين من تاريخ بلدنا؟
ومنذ سبع سنوات، عكف فخامةُ رئيس الجمهورية على ترسيخ الركائز الأساسية لأمتنا: الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار والأمن، والتنمية والإشعاع الدولي؛ في تجسيد لطموحه الكبير لموريتانيا وتعلقه العميق بشعبه.
وفي نظر فخامة رئيس الجمهورية، لا يتعلق الأمر بإعادة تعريف الوطن، ولا بالمساس بأساسه الجمهورية أو بهويته الثقافية والحضارية؛ بل يجب أن يجري كلُّ شيء في ظلّ الاحترام الصارم لقواعد القانون والديمقراطية، فالشعبُ صاحبُ السيادة، وإليه تعود الكلمة الفصل.
إنّ سمةَ الرؤية لدى الرئيسين واحد، وذلك بالضبط ما يجعل من هاتين اللحظتين، كلٌّ منهما حسب سياقها الخاص، محطتين تأسيسيتين في تاريخنا الوطني.
وفاءً لنهجه التشاركي، بادر فخامةُ رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى إطلاق حوار وطني يستطلع آراء الموريتانيين حول مستقبل بلدهم. والظرفُ مواتٍ على نحوٍ خاص؛ فنحن نعيش مرحلةَ سلم واستقرار، لا أمة فيها ولا استحقاقَ انتخابياً ضاغطاً. في مناخ هادئ يُضفي على النقاش سكينةً وعمقاً، والغاية صياغة ميثاق وطني جديد يرقى إلى طموحات شعبنا وتطلعاته.
ما الذي يميّز هذا الحوار الوطني عن المبادرات التي سبقته؟
لقد حدّد له فخامةُ رئيس الجمهورية ثلاثةَ شروطٍ لم تجتمع دائماً في ما سبق:
أولاً، الشمولية، فلا أحدَ يُترك على الهامش.
ثانياً، الجدّيـــة، فنحن لا نتحاور لتكريس ما تقرّر سابقاً.
ثالثاً، الحرية، بعيداً عن المحظورات والإملاءات على حدٍّ سواء.
وهذا الشرط الأخير بالغ الدلالة، إذ يعني أنّ مسألةَ البنية المؤسسية والحكامة مطروحةٌ على الطاولة، بلا محرّمات ولا أجندة مُعدّة سلفاً.








