
بدون مزايدة، وبالنظر إلى التحولات التي شهدتها موريتانيا منذ انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2019، يتضح أن البلاد دخلت مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز الاستقرار، وتوسيع الشراكات، ودفع مسار التنمية والإصلاح، بالتوازي مع حضور متزايد لموريتانيا على المستويين الإقليمي والدولي.
فعلى المستوى الاقتصادي، عملت الدولة على مراجعة علاقاتها مع الشركاء والممولين، وفق مقاربة تقوم على تقديم البرامج الوطنية ومواءمتها مع متطلبات التمويل، بما جعل التعاون الخارجي أكثر ارتباطاً بالأولويات التنموية للبلاد. وقد انعكس ذلك على تعبئة الموارد وتمويل المشاريع والبرامج الحكومية، بالتوازي مع التطور الملحوظ في مداخيل الميزانية وتحسن قدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية وخفض مديونيتها الخارجية.
وفي السياق ذاته، عززت موريتانيا موقعها كوجهة استثمارية واعدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وما تزخر به من ثروات ومقدرات، خصوصاً في مجالات المعادن والطاقة والغاز والصيد، فضلاً عن إمكاناتها في قطاعات البنية التحتية والخدمات. وقد أسهم هذا التنوع في توسيع خيارات البلاد أمام المستثمرين والشركاء، وتعزيز حضورها كقطب اقتصادي صاعد في غرب إفريقيا.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل محيط إقليمي يشهد اضطرابات أمنية وسياسية متسارعة. فقد حافظت موريتانيا على أمنها واستقرارها، وعززت قدراتها في حماية حدودها وحوزتها الترابية، كما رسخت موقعها كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني في منطقة الساحل. وقد أصبح هذا الاستقرار أحد عناصر القوة التي تستند إليها البلاد في بناء شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية.
وفي الداخل، اتخذ مسار الإصلاح طابعاً تدريجياً ومتكاملاً شمل البنية التحتية والقطاعات الحيوية والخدمات الأساسية. كما شهد أداء القطاعات الخدمية تحسناً، وتوسعت فرص العمل، وتطور الولوج إلى الخدمات، في إطار برامج ومشاريع هدفت إلى جعل التنمية أكثر حضوراً في حياة المواطنين، وتحويل موارد الدولة وإمكاناتها إلى نتائج ملموسة.
وتزامن ذلك مع تطوير الإدارة وتعزيز وسائل الرقابة والتفتيش، ومنح القطاعات والمسؤولين الإمكانيات والصلاحيات اللازمة لتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وقد قامت هذه المقاربة على الجمع بين الثقة في المسؤول، وتوسيع صلاحياته، وتعزيز الرقابة على الأداء، بما يدعم الحكامة الرشيدة ويرسخ مبدأ المسؤولية والمساءلة.
وعلى المستوى السياسي، اختار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نهج التهدئة والانفتاح والحوار مع مختلف مكونات المشهد الوطني، بما فيها المعارضة. وقد أسهم هذا الخيار في تعزيز الاستقرار السياسي وتهيئة مناخ أكثر ملاءمة للعمل الوطني، بما يسمح بتوجيه الجهد العام نحو التنمية وتعزيز مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد شهدت موريتانيا خلال هذه المرحلة حضوراً متصاعداً، خصوصاً في الملفات المرتبطة بمنطقة الساحل ومكافحة الإرهاب وحفظ السلام والهجرة والتعاون الدولي. كما عززت شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، وطورت علاقاتها في مجالات التكوين وتبادل المعلومات والتعاون الأمني، مع المحافظة في الوقت نفسه على امتدادها العربي والإسلامي والإفريقي وتنويع شراكاتها الدولية.
وتوج هذا الحضور بتولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني رئاسة الاتحاد الإفريقي خلال سنة 2024، وهي محطة عززت موقع موريتانيا داخل القارة ورسخت حضورها في القضايا الإفريقية المشتركة. كما تعزز الحضور الموريتاني في المؤسسات المالية والتنموية القارية بانتخاب الدكتور سيدي ولد التاه رئيساً لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية سنة 2025، وهو أعلى منصب تنفيذي في إحدى أبرز المؤسسات المالية الإفريقية.
وتعكس هذه المحطات مجتمعة توجهاً دبلوماسياً يقوم على التوازن والاستقلالية واحترام سيادة الدول والمصالح المتبادلة، مع الحرص على جعل علاقات موريتانيا الخارجية أداة لخدمة مصالحها الوطنية وتعزيز حضورها وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي.
إن ما تحقق منذ 2019 لم يكن نتاج إجراءات منفصلة، وإنما جاء في إطار رؤية متكاملة تقوم على ترسيخ الاستقرار، وتحسين أداء مؤسسات الدولة، وتوسيع الشراكات، وتعبئة الموارد، وتطوير الخدمات، وتعزيز مكانة موريتانيا خارجياً.
واليوم، تمتلك البلاد مقومات مهمة لمواصلة هذا المسار: استقرار أمني، وموقع جغرافي استراتيجي، وثروات طبيعية واعدة، وشراكات دولية متنامية، وحضور دبلوماسي أكثر تأثيراً في محيطها الإفريقي والدولي. وهي عناصر تمنح موريتانيا فرصة تاريخية لتوسيع استثماراتها وتنويع اقتصادها وتعزيز موقعها في محيطها الإقليمي.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تقتضي مواصلة البناء على ما تحقق، وتسريع وتيرة التنمية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات. وهي أهداف تتطلب استمرار العمل بنفس الروح الإصلاحية، وتضافر جهود الدولة والقوى السياسية والنخب والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين.
لقد اختارت موريتانيا منذ 2019 مسار الاستقرار والإصلاح والانفتاح، وأثبتت قدرتها على تحويل موقعها وإمكاناتها إلى عناصر قوة وشراكات وفرص جديدة. واليوم، تبدو المهمة واضحة: مواصلة هذا المسار، وتعميق الإصلاح، وتحويل المكتسبات المتراكمة إلى تنمية مستدامة ومزيد من فرص العمل وتحسين الخدمات، بما يعزز رفاه المواطن ومكانة موريتانيا في محيطها الإفريقي والدولي
محمد ولد كربالي
عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف








