موريتانيا أولاً: نحو نظام ديمقراطي نابع من إرادة الموريتانيين/ محمد ولد كربالي وجيه سياسي

جمعة, 08/28/2026 - 14:39

تعيش موريتانيا اليوم لحظة وطنية تستحق أن تُقرأ بمسؤولية وتأمل وأن تُعتبر فرصة لإعادة التفكير في طبيعة نظامها السياسي والمؤسسي والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها تجربتها الديمقراطية في المستقبل، بما يضمن للشعب الموريتاني نظاما أكثر تعبيرا عن إرادته وأقدر على تحقيق تطلعاته وصون مصالحه وترسيخ مشاركته الفعلية في إدارة شؤونه وتحديد مستقبله.

 

وأول ما ينبغي التأكيد عليه أن الديمقراطية بما تمثله من قيم العدالة والمساواة وحرية التعبير والمشاركة السياسية واحترام إرادة المواطنين ليست ملكا لمجتمع دون آخر ولا حكرا على تجربة بعينها. غير أن نماذجها في صورتها المؤسسية والقانونية والتنظيمية ليست بالضرورة قابلة للاستنساخ الحرفي من مجتمع إلى آخر لأنها تنشأ وتتطور داخل سياقات تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية مختلفة.

 

ومن هنا فإن استنساخ بعض النماذج الديمقراطية الغربية في دول إفريقية وعربية دون مراعاة خصوصيات هذه المجتمعات ومستوى تطور مؤسساتها ودرجة الوعي السياسي فيها قد يؤدي إلى بناء مؤسسات تبدو في شكلها ديمقراطية بينما تظل الممارسة الفعلية بعيدة عن تحقيق الغايات التي قامت الديمقراطية من أجلها.

 

فالديمقراطية ليست مجرد نصوص دستورية ولا مجرد انتخابات دورية ولا مجموعة من المؤسسات والإجراءات. إنها قبل ذلك وبعده ثقافة سياسية وممارسة اجتماعية وتوازن بين الحقوق والواجبات وقناعة راسخة بأن السلطة وسيلة لخدمة المجتمع وليست غاية في ذاتها. ولذلك فإن نجاح أي تجربة ديمقراطية يرتبط بتفاعلها مع البيئة التي تنشأ فيها.

 

وفي هذا السياق يجب على المشاركين في الحوار من قوى سياسية ونخب ثقافية وفكرية أن يتدارسوا الاختلالات البنيوية التي عانت منها البلاد منذ عقود وفي مقدمتها طبيعة النظام السياسي، وأن يعملوا على بناء إجماع وطني جامع لا يستثني أي جهة وأن يكون التوافق الوطني هو المعيار الحاكم لمخرجات الحوار لا مدة انعقاده.

 

ومن هنا يتعين علينا نحن الموريتانيين أن نتحمل مسؤولياتنا وأن نجعل مصلحة موريتانيا فوق كل اعتبار. ونحن لسنا ضد الديمقراطية بل نؤمن بها ونتقاسم مع العالم مبادئها وأهدافها، لكن يحق لنا شأننا شأن باقي دول العالم أن نبني نظاما ديمقراطيا يتلاءم قانونيا وتنظيميا وممارسة مع واقع بلدنا وتركيبته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وخصوصياتنا الوطنية وتطلعات شعبنا وأن نستفيد من تجارب الآخرين دون أن نستنسخها.

 

وهذه هي الأولوية التي ينبغي أن يركز عليها الحوار المرتقب: وضع أسس نظام ديمقراطي موريتاني جديد نابع من إرادة الموريتانيين واختياراتهم، نظام يضعه الموريتانيون لأنفسهم وفق واقعهم واحتياجاتهم ثم يُعرض على الشعب للاستفتاء عليه في إطار دستور موريتاني يعبر بوضوح عن إرادته ويحدد قواعد الدولة ومؤسساتها وعلاقة الحاكم بالمحكوم على أساس من الشرعية والتوافق الوطني..

 

محمد ولد كربالي

وجيه سياسي

إعلانات

 

إعلان