
بقلم: احمد محمد حماده
مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، يتجدد كل عام نقاش قديم جديد، سرعان ما يتحول أحياناً من نقاش علمي هادئ إلى سجال بين مؤيد للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يراه تعبيراً عن المحبة والوفاء للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعارض له يرى فيه أمراً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ومن ثم يعدّه من البدع التي ينبغي تركها.
وبين هذين الموقفين، تبدو هناك مساحة أخرى تستحق أن نتوقف عندها قليلاً؛ مساحة لا تتعامل مع المسألة بمنطق "نعم" أو "لا" المجرد، وإنما ترى أن الحكم يحتاج أولاً إلى تفصيل: ماذا نقصد بالاحتفال بالمولد؟ وهل نتحدث عن اعتباره عيداً دينياً ثالثاً، أم عن مناسبة يستحضر فيها المسلمون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكثرون من الصلاة والسلام عليه، ويتدارسون أخلاقه وشمائله وسيرته؟ فهنا تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي.
ومن المعروف أن الإسلام شرع للمسلمين عيدين اثنين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وقد ورد في الحديث ما يفيد أن الله تعالى أبدل المسلمين عن أعياد الجاهلية بهذين اليومين. ومن هذه الزاوية، فإن اعتبار المولد النبوي عيداً ثالثاً بالمعنى الشرعي الذي يضاف إلى الأعياد التي شرعها الإسلام، مسألة مختلفة تماماً عن اجتماع الناس في مناسبة يتذاكرون فيها سيرة الرسول الكريم، ويصلون عليه، ويتحدثون عن رحمته وعدله وأخلاقه. وهنا ينبغي ألا نخلط بين الأمرين.
فالمحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم ليست محل خلاف بين المسلمين، بل هي من صميم الإيمان. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه ليس: من يحب النبي أكثر؟ ولا من يملك الحق في الحديث باسمه؟ وإنما: كيف نعبّر عن هذه المحبة بالطريقة التي نراها أقرب إلى هديه وأبعد عن الغلو؟
هناك من يرى أن تخصيص يوم بعينه للاحتفال بالمولد لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، ولذلك لا ينبغي تحويله إلى شعيرة دينية متكررة. وهناك من يرى أن اجتماع الناس لقراءة السيرة والصلاة على النبي وإطعام الطعام والتذكير بأخلاقه، إذا خلا من المحرمات والغلو، يمكن أن يدخل في أبواب العادات أو الأعمال الصالحة، ولا يلزم من ذلك اعتباره عيداً شرعياً جديداً. وبين الرأيين تفاصيل فقهية وتاريخية طويلة، اختلف فيها العلماء، ولا يبدو من الحكمة اختزالها في عبارات قاطعة من قبيل "من احتفل فقد ابتدع" أو "من لم يحتفل فقد قصّر في محبة النبي". فالمسألة أعمق من ذلك، والاختلاف فيها اختلاف اجتهاد لا اختلاف محبة.
ثم إن الاحتفال نفسه ليس صورة واحدة. فقد يكون مناسبة علمية للتعريف بالسيرة النبوية، أو مجلساً لذكر شمائل الرسول وأخلاقه، أو اجتماعاً لإطعام الناس وإدخال السرور عليهم، وقد يتحول في بعض البيئات إلى ممارسات أخرى لا علاقة لها بمقاصد السيرة ولا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن الحكم على جميع هذه الصور بحكم واحد قد لا يكون من الإنصاف العلمي.
وربما يكون الأهم في هذه الذكرى أن نستعيد شيئاً من روح النبي، لا أن نكتفي بالجدال حول شكل الاحتفاء به. فإذا كان المولد مناسبة تجعل الإنسان أكثر صدقاً وأمانة ورحمة، وأكثر حرصاً على الصلاة والسلام على النبي، وأكثر معرفة بسيرته وأخلاقه، وأكثر اقتداءً به في تعامله مع الناس، فإن هذه المعاني لا يمكن أن تكون موضع خلاف. أما إذا تحول النقاش إلى مناسبة للتلاسن والتبديع والتخوين وتوزيع صكوك المحبة والكراهية، فإننا نكون قد ابتعدنا عن جوهر الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، مهما كان موقفنا من الاحتفال بالمولد.
ولعل المساحة الوسطى التي نحتاجها اليوم ليست مساحة للتوفيق المصطنع بين رأيين فقهيين، وإنما مساحة للاعتراف بأن المسألة فيها تفصيل، وأن اختلاف العلماء فيها لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين المسلمين. نستطيع أن نؤكد أن الإسلام لم يجعل للمسلمين سوى عيدين شرعيين، وفي الوقت نفسه نستطيع أن نفهم أن الناس قد يجتمعون في مناسبات مختلفة للتذكير بالدين والسيرة والعلم والخير، على أن لا تُمنح تلك المناسبة بالضرورة صفة العيد الشرعي، ولا تُرتكب فيها مخالفات أو مبالغات تتعارض مع أصول الإسلام.
ربما يكون السؤال الأجمل في ذكرى المولد النبوي ليس: "هل تحتفل أم لا تحتفل؟"، وإنما: "ماذا بقي من أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم في حياتنا؟" فقد نختلف في شكل الاحتفاء، لكن لا ينبغي أن نختلف في أن الاقتداء بالنبي هو أعظم احتفال بسيرته، وأن الصلاة والسلام عليه، ومحبة سنته، والرحمة بالناس، والصدق في المعاملة، وحفظ الحقوق، كلها معانٍ لا تحتاج إلى يوم محدد حتى نحياها.
ولعل هذا هو المعنى الذي يستحق أن يبقى حاضراً بين أيدينا ونحن نستقبل ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم: أن نختلف في المسائل العلمية بأدب، وأن نترك مساحة للاجتهاد، وألا نجعل اختلافنا حول مناسبة سبباً لننسى صاحب الرسالة نفسها؛ رسول الرحمة الذي جمع القلوب قبل أن يجادل العقول.








