بين مقتضيات التناوب دستوريا ومتطلبات الاستمرارية مؤسسيا/ عضو المكتب السياسي لحزب الإنصاف سيدي ولد إبراهيم

أربعاء, 08/19/2026 - 22:10

تزايدت خلال الفترة الأخيرة ولا سيما مع تقدم المسار نحو مناخ وطني جامع يلتقي فيه مختلف أطياف المشهد السياسي الموريتاني مطالب بمراجعة المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمأموريات الرئاسية. ويقوم هذا الطرح على اعتبار أن استمرار فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يمثل ضمانة أساسية لاستمرارية السياسات التنموية التي انطلقت خلال عهده ويسهم في تحصين ما تحقق من مكاسب سياسية ومؤسسية.

وكان آخر هذه المواقف وربما أقواها تعبيرا عن الوزن السياسي والشعبي ما شهدته ولاية لعصابة خلال الجولة الميدانية التي نظمها حزب الإنصاف للتواصل والتشاور مع هيئاته ومنتخبيه وأطره ووجهائه وفاعليه حيث برزت المطالبة باستمرار رئيس الجمهورية ومواصلة السياسات التنموية القائمة من خلال الدعوة إلى مراجعة الإطار الدستوري بما يتيح ذلك.

وفي المقابل يرى اتجاه آخر في هذه المطالب مساسا بمبدأ التناوب وتراجعا عن مكسب رسخته التجربة الديمقراطية الموريتانية. وبين الموقفين لا تبدو القضية قابلة للاختزال في التأييد أو الرفض لأنها تمس في جوهرها معادلة سياسية ودستورية ومؤسسية أوسع.

في موريتانيا حددت تعديلات دستور سنة 2006 المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة ضمن تصور يرمي إلى ترسيخ التداول والتناوب على السلطة. وهذا هو الخيار الذي استقر عليه النظام الدستوري وهو المرجع القائم إلى اليوم.

لكن التجارب المقارنة تؤكد أن العلاقة بين التناوب والاستمرارية لم تستقر حتى في الديمقراطيات العريقة على صيغة دستورية واحدة. ففرنسا لم تعتمد حصر الرئاسة في مأموريتين متتاليتين إلا سنة 2008 بعد نصف قرن من قيام الجمهورية الخامسة. وفي ألمانيا ورغم اختلاف نظامها البرلماني لا يضع القانون الأساسي حدا لعدد مرات انتخاب المستشار الاتحادي وهو ما أتاح للمستشارة السابقة أنغيلا ميركل إحدى أبرز القيادات السياسية الأوروبية في عصرها قيادة الحكومة ست عشرة سنة متواصلة من 2005 إلى 2021.

ولا يتعلق الأمر بإسقاط هذه النماذج على موريتانيا وإنما بوضع النقاش في سياقه الطبيعي. فإذا كانت الديمقراطيات الراسخة نفسها قد اختلفت في تنظيم العلاقة بين الاستمرارية والتناوب وطورت خياراتها بشأنها عبر الزمن فإن مناقشة هذه العلاقة لا تخرج في ذاتها عن المنطق الديمقراطي. أما ما يصلح لموريتانيا فيحدده واقعها الوطني وإطارها الدستوري وإرادة شعبها.

وهنا تبرز المسألة في بعدها الحقيقي. فتحديد المأموريات يؤدي وظيفة أساسية في ترسيخ التناوب على السلطة وفي المقابل تمثل استمرارية السياسات قضية جوهرية في دولة ما تزال تبني مؤسساتها وتعزز فاعليتها وما تزال توجهاتها ورؤاها وسياساتها الكبرى تتأثر بدرجة معتبرة بتعاقب قادتها. والمشاريع الإصلاحية الكبرى لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحول إلى مكتسبات تحملها مؤسسات الدولة وتستمر مع تغير المسؤوليات العليا. والوصول إلى هذا المستوى من الرسوخ المؤسسي يحتاج إلى تراكم واستقرار يسمحان بتحويل التوجهات الكبرى من خيارات مرتبطة بالمراحل السياسية إلى ثوابت تحملها مؤسسات الدولة.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تناقش على مستوى النخب السياسية والفكرية بعيدا عن الاصطفافات الجاهزة. ومن هنا تكتسب محطة الحوار الوطني أهميتها فهي الإطار الطبيعي لعرض الرؤى ومناقشة الخيارات واختبار الحجج بآثارها وضماناتها ومآلاتها دون افتراض نتيجة مسبقة. وفي هذا السياق تندرج القضايا المتصلة باستمرارية السياسات والمكتسبات التي تستند إليها هذه المطالبات ضمن القضايا الجديرة بأن تكون حاضرة في النقاش بين القوى والنخب المشاركة في الحوار.

وفي واقعنا الوطني يظل النص الدستوري القائم واضحا في تحصين مبدأ التناوب والمقتضيات المتعلقة بالمأموريات الرئاسية. غير أن الحياة الديمقراطية لا تتوقف عند حدود النص القائم فالنخب تطرح وتستشرف انطلاقا من واقعها الوطني والحوار يناقش ويبلور وفي النهاية يبقى الدستور والشعب أولا وأخيرا هما المرجعان الحاكمان في تحديد الخيارات الكبرى لمستقبل الدولة.

 

سيدي ولد إبراهيم ولد إبراهيم

عضو المكتب السياسي لحزب الإنصاف

إعلانات

 

إعلان