
بقلم: أحمد محمد حماده/ كاتب و محلل سياسي
أتابع منذ فترة، مثل كثير من الموريتانيين، بعض ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من صور وفيديوهات لأنشطة سياسية واجتماعية، وأتوقف كثيرًا عند الطريقة التي أصبحت بها القبيلة حاضرة في تفاصيل المشهد العام. أحيانًا أشعر أننا، من كثرة ما اعتدنا على هذه المظاهر، لم نعد نسأل أنفسنا إن كانت طبيعية فعلًا، وإلى أين يمكن أن تقودنا إذا استمرت بهذا الشكل.
أنا لا أرى في القبيلة مشكلة في حد ذاتها. القبيلة جزء من تاريخ مجتمعنا، ومن الطبيعي أن يعرف الإنسان أصله وأن يحافظ على صلته بأهله وأقاربه. وقد ظلت القبيلة، في كثير من الحالات، مجالًا للتكافل والتواصل وحفظ الروابط الاجتماعية.
لكن المشكلة تبدأ، في رأيي، عندما نخرج بالقبيلة من مجالها الاجتماعي إلى المجال السياسي، وعندما يصبح الانتماء القبلي وسيلة لإثبات القوة أو الوصول إلى المسؤول أو الحصول على النفوذ.
ما يلفتني هذه الأيام هو كثرة العبارات التي نقرأها في صفحات المدونين وبعض النخب: «أهل فلان يستقبلون الوزير»، «قبيلة كذا تستقبل المسؤول»، «جماعة فلان تعلن دعمها»، وغيرها من العبارات التي أصبحت جزءًا من خطابنا اليومي.
قد يقول البعض إن الأمر مجرد وصف لما يحدث، وهذا صحيح من ناحية، لكن تكرار هذه اللغة يجعلنا، دون أن نشعر، ننظر إلى السياسة من خلال القبيلة بدل أن ننظر إليها من خلال الحزب والبرنامج والمواطنة.
ويظهر ذلك بوضوح في الزيارات السياسية إلى الداخل. بدل أن يكون المسؤول أمام مواطنين جاؤوا للاستماع إليه أو لمناقشة مشاكلهم، نجد أحيانًا مجموعات مصطفة بحسب الانتماء القبلي، وكأن كل قبيلة مطالبة بأن تثبت حضورها وقدرتها على الحشد.
وفي بعض هذه المناسبات يظهر أشخاص يرفعون أصواتهم بالصراخ والهتاف وتمجيد المسؤول أو السياسي، وأحيانًا يعلنون أمام الجميع أسماء قبائلهم ومجموعاتهم. لا أتحدث هنا عن الهتاف العفوي الذي قد يحدث في أي مناسبة، وإنما عن تلك الحالات التي يتحول فيها الهتاف إلى استعراض للولاء، ويصبح ارتفاع الصوت وكثرة الصراخ وسيلة لإظهار قوة الجماعة.
وأحيانًا أشاهد بعض هذه المشاهد وأتساءل: هل نحن أمام نشاط سياسي، أم أمام منافسة فيمن يستطيع أن يصرخ أكثر ويجمع عددًا أكبر من الأشخاص؟
المشكلة أن هذه المشاهد لا تنتهي بانتهاء المناسبة. تُصور، وتنشر، وتنتشر، وتتحول في وسائل التواصل الاجتماعي إلى دليل على «الشعبية». والحقيقة أن الحشد الصاخب لا يعني بالضرورة شعبية سياسية، كما أن عدد الأشخاص الذين يقفون في استقبال مسؤول لا يخبرنا شيئًا عن جودة برنامجه أو مدى اقتناع الناس بسياساته.
بل إن الأمر قد يعطي أبناء الجيل الجديد صورة خاطئة عن السياسة. فالرسالة التي تصل إلى الشاب الذي يرى هذه المشاهد باستمرار قد تكون أن الطريق إلى السياسة يمر عبر القبيلة، وأن قوة السياسي في الجماعات التي يستطيع حشدها، لا في الأفكار التي يحملها.
وهنا أخشى على ثقافتنا الحزبية.
فالحزب يفترض أن يجمع الناس حول فكرة وبرنامج ورؤية للمستقبل. لكن إذا أصبحنا نسأل عن القبائل التي تقف خلف السياسي أكثر مما نسأل عن برنامجه، فإن الحزب يفقد جزءًا أساسيًا من معناه.
بل إن القبيلة قد تتحول، في هذه الحالة، إلى ما يشبه الحزب غير المعلن: تجمع الناس، وتوجه المواقف، وتفاوض السياسيين، وتؤثر في الانتخابات، بينما لا توجد لديها برامج سياسية بالمعنى المعروف.
ومن المظاهر التي تستوقفني أيضًا الاجتماعات التي أصبحت تظهر بين حين وآخر لتنصيب أو اختيار «رئيس القبيلة».
أدرك أن لبعض هذه الاجتماعات طبيعة اجتماعية، وأن للقبائل أعرافًا وتقاليد في تنظيم شؤونها الداخلية، ولا أرى مشكلة في أن يحافظ الناس على علاقاتهم الاجتماعية. لكن السؤال الذي أطرحه هو: ماذا يحدث عندما يتحول هذا الرئيس أو الزعيم من شخصية اجتماعية إلى عنوان سياسي؟ وعندما يصبح هو الشخص الذي يتحدث باسم الجماعة أمام المسؤولين والسياسيين؟
هنا تبدأ المسألة في أخذ منحى مختلف.
فنحن نبني دولة لها مؤسسات منتخبة وإدارة وقانون، ومن الطبيعي أن تكون هذه المؤسسات هي التي تمثل المواطنين وتدير شؤونهم. أما أن تصبح هناك قيادات اجتماعية تتعامل مع الدولة وكأنها مؤسسات موازية، فهذه مسألة تحتاج إلى نقاش هادئ وصريح.
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذه الصورة. فاجتماع قبلي كان يمكن أن يبقى في حدود أصحابه أصبح اليوم يصل إلى آلاف الناس، وتنصيب رئيس قبيلة أصبح حدثًا عامًا، والصور والفيديوهات تعطي الانطباع بأن القبيلة كيان سياسي له قيادة ونفوذ وحضور رسمي.
لكنني لا أعتقد أن القبيلة وحدها هي المسؤولة عن هذا الوضع.
فالقبيلة تصبح قوية سياسيًا عندما تكون المؤسسات ضعيفة أو عندما يشعر المواطن أن الوصول إلى حقه قد يكون أسهل عن طريق شخص يعرفه من طريق الإدارة.
إذا كان المواطن يعتقد أن «فلانًا» يستطيع أن يحل مشكلته أسرع من الإدارة، فمن الطبيعي أن يبحث عنه. وإذا كانت الجماعة تستطيع أن تحشد عددًا كبيرًا من الناس حول مسؤول، فمن الطبيعي أن يحاول السياسي الاستفادة منها.
وهكذا ندخل في دائرة يصعب الخروج منها: ضعف المؤسسات يقوي الوساطة، والوساطة تقوي الجماعة، والجماعة تزداد نفوذًا، ثم يصبح المواطن أكثر حاجة إليها.
لهذا لا أعتقد أن معالجة القبلية السياسية تكون بمجرد إصدار التوجيهات.
التوجيه مهم، لكنه وحده لا يكفي.
نحن بحاجة إلى دولة يشعر فيها المواطن أن حقه مضمون بالقانون، وأن الإدارة مفتوحة أمامه، وأنه لا يحتاج إلى زعيم قبلي حتى يسمع المسؤول صوته.
وهنا أتوقف بشكل خاص عند بعض ما يظهر هذه الأيام في استقبالات وأنشطة منسقي الحزب الحاكم.
أقولها بكل صراحة، ومن باب الحرص على الحزب لا من باب الخصومة معه: هذه المظاهر ينبغي أن ينتبه إليها الحزب الحاكم وأن يرفضها بوضوح.
الحزب الحاكم ليس حزبًا عاديًا في المشهد السياسي. إنه الحزب الذي يقود الأغلبية ويحمل مسؤولية سياسية كبيرة، ولذلك يفترض أن يكون في مقدمة الذين يعملون على ترسيخ ثقافة الحزب والمؤسسات والمواطنة.
لا أعتقد أن من مصلحة الحزب أن تُقاس أنشطته بعدد القبائل التي حضرت، أو بعدد الأشخاص الذين هتفوا للمسؤول، أو بأن يُقدم الحشد بحسب انتماءاته القبلية.
الأفضل أن يكون منسق الحزب قادرًا على جمع الناس حول البرنامج، وأن يقول لهم بوضوح: نحن هنا باعتبارنا حزبًا سياسيًا، نناقش مشاكل المنطقة، ونقدم رؤيتنا، ونستمع إلى المواطنين.
إذا كان الحزب الحاكم يريد أن يقنع الناس بأن زمن السياسة القائمة على القبيلة قد تجاوزناه، فعليه أن يبدأ بنفسه.
وهذه ليست مسؤولية الحزب الحاكم وحده. المعارضة أيضًا مطالبة بالأمر نفسه. فلا معنى لأن ننتقد القبلية عندما نكون خارج السلطة ثم نبحث عنها عندما تأتي الانتخابات.
والنخب كذلك تتحمل مسؤولية كبيرة. عندما نصور كل استقبال قبلي ونصفه بأنه «حاشد» و«تاريخي»، فإننا نساهم في إعطاء هذه المظاهر قيمة أكبر من حجمها الحقيقي.
كما أن علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نتحدث بها عن السياسيين. لماذا لا نسأل دائمًا عن البرنامج؟ لماذا لا نتحدث عن الكفاءة؟ لماذا لا نحاسب المسؤول على ما أنجزه بدل أن نحتفل بعدد الجماعات التي استقبلته؟
أنا لا أطالب أحدًا بأن يتخلى عن قبيلته، ولا أرى في ذلك حلًا أصلًا. القبيلة جزء من مجتمعنا، وستظل كذلك. لكن ما أتمناه هو أن يعرف كل واحد منا أين ينتهي الانتماء الاجتماعي وأين يبدأ الانتماء الوطني.
يمكن للإنسان أن يحب قبيلته ويحترم أهله، وفي الوقت نفسه يكون ولاؤه للدولة والقانون.
يمكن أن يحافظ على صلة الرحم، دون أن يجعل النسب معيارًا للكفاءة.
ويمكن أن يحترم الأعيان والوجهاء، دون أن يمنحهم سلطة فوق المؤسسات.
المشكلة ليست في القبيلة كذاكرة اجتماعية، وإنما في القبيلة عندما تتحول إلى طريق للوظيفة والنفوذ والانتخابات والوصول إلى المسؤول.
عندها تصبح المسألة أكبر من مجرد تقليد اجتماعي.
تصبح مسألة تتعلق بالدولة نفسها.
ولعل أخطر ما في الأمر أن القبلية السياسية لا تأتي دائمًا بصورة صادمة. إنها تتسلل بهدوء إلى حياتنا اليومية: استقبال هنا، وهتاف هناك، اجتماع لتنصيب رئيس قبيلة في مكان آخر، ثم صورة تنتشر على فيسبوك، ثم تعليق يفاخر بحجم الجماعة، ثم انتخابات يجد فيها المواطن نفسه أمام سؤال: «من مع فلان؟» بدل السؤال البسيط: «ماذا سيقدم فلان؟»
وبهذه الطريقة، يمكن أن تتراجع السياسة خطوة بعد خطوة، من دون أن نشعر.
موريتانيا لا تحتاج إلى حرب على القبيلة، ولا يمكنها أن تلغي جزءًا من تاريخها الاجتماعي بقرار إداري.
ما تحتاجه هو أن تضع القبيلة في مكانها الطبيعي، وأن تجعل الدولة أقوى من الوساطة، والقانون أقوى من العلاقات، والحزب أقوى من الجماعة، والبرنامج أقوى من النسب.
نحتاج إلى أن يصبح السياسي قويًا بما يقول ويفعل، لا بمن يستطيع أن يحشد خلفه.
ونحتاج إلى أن يصبح المسؤول فخورًا بما أنجزه للمواطنين، لا بحجم الحشد الذي هتف باسمه.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى مواطن يشعر أن الدولة دولته، وأن حقه لا يحتاج إلى قبيلة تحمله إلى أبواب المسؤولين.
ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: هل القبيلة موجودة؟
فهي موجودة، وستبقى جزءًا من نسيج مجتمعنا.
السؤال الأهم هو: هل نريد أن تبقى القبيلة جزءًا من المجتمع، أم نسمح لها بأن تصبح جزءًا من السلطة؟
بين السؤالين مسافة كبيرة.
وفي تلك المسافة تحديدًا يتحدد مستقبل الدولة، ومستقبل السياسة، ومستقبل المواطنة في موريتانيا.








