البو ولد عبد الرحمن.. نموذج المنتخب الذي يجعل من السياسة جسراً إلى التنمية

أحد, 08/09/2026 - 21:32

لا تُقاس قيمة المنتخب بما يمنحه له المقعد الانتخابي من حضور، وإنما بما يستطيع أن يضيفه إلى المجال الذي اختاره ممثلاً له؛ فبين صفة «المنتخب» ومفهوم «القيادة المحلية» مسافة لا يقطعها إلا العمل، ولا تختصرها الخطابات. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حضور البو ولد حمدي ولد عبد الرحمن في مدينة شنقيط، باعتباره نموذجاً لشخصية سياسية واجتماعية تحاول أن تجعل من التمثيل الانتخابي مساحة للمبادرة، ومن الانتماء السياسي أداة للإسهام في التنمية، ومن التوافق رصيداً لخدمة المدينة.

‏وتأتي مبادرته بتكريم حفظة القرآن الكريم و المتفوقين في المسابقات الوطنية على مستوى شنقيط لتكتسب دلالة تتجاوز حدود التكريم في حد ذاته؛ فحين يُحتفى بالمتفوق، فإن المجتمع يعلن انحيازه إلى العلم، ويمنح الاجتهاد مكانته، ويبعث إلى الأجيال الجديدة رسالة مفادها أن التفوق قيمة تستحق الاعتراف والرعاية. وفي مدينة ارتبط اسمها تاريخياً بالعلم والمعرفة، يصبح تكريم أبنائها المتفوقين استحضاراً لذاكرة شنقيط العلمية، وربطاً بين إرثها الثقافي ومسؤوليتها تجاه مستقبل أبنائها، فضلاً عن كونه إسناداً عملياً لقيم المدرسة الجمهورية وانسجاماً مع التوجهات الوطنية الرامية إلى جعل التعليم أساساً لبناء الإنسان والدولة.

‏ولا يتوقف هذا الحضور عند بوابة التعليم، إذ يأتي الإعلان عن تنظيم بطولة للكرة الحديدية في مدينة شنقيط ضمن أنشطة دعم السياحة الداخلية ليكشف عن مقاربة أوسع للعمل المحلي، ترى أن التنمية ليست مشروعاً واحداً ولا قطاعاً منفرداً، وإنما منظومة تتكامل فيها الثقافة والرياضة والسياحة والحياة الاجتماعية. فالمدينة التاريخية لا تحتاج فقط إلى أن تُزار بسبب آثارها، وإنما تحتاج أيضاً إلى أن تكون حية في وجدان الزائر، وأن تستضيف فعاليات تمنحها حركة وحضوراً وتفتح أمام موروثها أبواباً جديدة للتعريف والاستثمار السياحي. ومن هنا تصبح الرياضة، حتى في أبسط أشكالها، وسيلة لتنشيط المكان، وصناعة التواصل، وجذب الاهتمام إلى مدينة تختزن واحدة من أثمن الذاكرات الحضارية في البلاد.

‏وفي خلفية هذه المبادرات يقف حضور سياسي واضح للبو ولد حمدي ولد عبد الرحمن باعتباره أحد ركائز حزب الإنصاف، المنخرطين في المشروع السياسي الداعم لتوجهات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني؛ غير أن قيمة هذا الانتماء لا تُقاس بمجرد الانتساب إلى حزب أو موقع سياسي، وإنما بمدى القدرة على تحويل ذلك الانتماء إلى فعل يخدم المواطنين ويواكب التوجهات الوطنية على المستوى المحلي. فالسياسة حين تفقد صلتها بحياة الناس تتحول إلى مجرد اصطفاف، أما حين تجد ترجمتها في التعليم والسياحة والرياضة والمبادرات الاجتماعية، فإنها تستعيد معناها بوصفها وسيلة لإدارة الشأن العام وتحقيق المصلحة المشتركة.

‏ولعل ما يمنح شخصية البو ولد حمدي حضوراً خاصاً في المشهد الشنقيطي هو بعدها التوافقي؛ فالمجتمعات المحلية لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تستقيم بالاصطفافات الدائمة، وإنما تحتاج إلى شخصيات تستطيع أن تبني الجسور وتحافظ على مساحة للحوار والتعاون بين المنتخبين والسلطات والفاعلين الاجتماعيين. والتوافق، بهذا المعنى، ليس ضعفاً في الموقف السياسي ولا تنازلاً عن القناعة، بل هو قدرة على إدراك أن خدمة المدينة تتطلب أحياناً أن تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وأن يكون الاختلاف السياسي مدخلاً للنقاش لا سبباً لتعطيل العمل.

‏ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم ما يحظى به البو ولد حمدي من احترام لدى السلطات الإدارية والجهوية والمنتخبين في ولاية آدرار؛ فالاحترام في الحياة العامة لا يُستدعى بالصفة ولا يُنتزع بالخطاب، وإنما يتشكل مع الوقت من خلال طريقة التعامل، واحترام المؤسسات، والقدرة على التواصل، والبحث عن مساحات العمل المشترك. والمنتخب الذي يستطيع أن يحافظ على استقلالية دوره التمثيلي، وفي الوقت نفسه يبني علاقة مؤسسية متوازنة مع الإدارة والفاعلين المحليين، يكون أكثر قدرة على تحويل موقعه إلى أداة للإنجاز.

‏وهنا تبرز ملامح ما يمكن وصفه بنموذج المنتخب الفاعل: سياسي له موقعه داخل المشهد الوطني، واجتماعي يدرك طبيعة مجتمعه، ومنتخب ينظر إلى مسؤولياته باعتبارها أوسع من حضور المناسبات. فتكريم المتفوقين، وتنشيط السياحة من خلال الرياضة، وبناء علاقات توافقية مع مختلف الفاعلين، تبدو في ظاهرها مبادرات متفرقة، لكنها تلتقي في معنى واحد: محاولة تحويل السياسة من خطاب عن التنمية إلى ممارسة تساهم فيها.

‏وفي مدينة مثل شنقيط، حيث يلتقي التاريخ بالرهانات الجديدة، تبدو الحاجة أكبر إلى منتخب يستطيع أن يقرأ المكان لا أن يمثل سكانه فقط، وأن يرى في تراث المدينة مورداً للمستقبل، وفي شبابها رأس مال، وفي التعليم أساساً للاستمرار، وفي التوافق شرطاً للاستقرار والعمل. ومن هنا تتجاوز تجربة البو ولد حمدي حدود المقعد الانتخابي لتطرح صورة للمنتخب الذي يريد أن يجعل من موقعه جسراً بين الدولة والمجتمع، وبين السياسة والتنمية، وبين ماضي شنقيط العريق ومستقبلها الممكن.

‏فالسياسة في جوهرها ليست مجرد قرب من دوائر القرار، كما أن التمثيل ليس مجرد حضور في المؤسسات؛ القيمة الحقيقية تبدأ حين يستطيع المنتخب أن يجعل من علاقاته وإمكاناته ورصيده السياسي والاجتماعي منفعة عامة، وأن يحول الثقة التي منحها له الناس إلى مبادرات محسوسة، ولو كانت محدودة في حجمها، كبيرة في دلالتها.

‏وهكذا، فإن صورة البو ولد حمدي ولد عبد الرحمن التي ترسمها هذه المبادرات ليست صورة منتخب يكتفي بإدارة موقعه، وإنما صورة فاعل محلي يحاول أن يجعل من السياسة جسراً لا جداراً، ومن التوافق قوة لا تنازلاً، ومن التنمية ممارسة لا شعاراً؛ وهي معادلة تجعل من المنتخب شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد شاهد على أحداثه.

‏فالمنتخب الناجح ليس من يملك مقعداً في المشهد، وإنما من يمنح لذلك المقعد معنى، ويترك وراءه أثراً يظل شاهداً على أن السياسة يمكن أن تكون طريقاً إلى خدمة الإنسان والمكان.

إعلانات

 

إعلان