الفساد و النفاق السياسي وجهان لعملة واحدة تعطل مسار التنمية و تمنع قيام دولة المؤسسات و القانون/ اباي ولد اداعة

سبت, 08/08/2026 - 16:32

تأتي جدلية العلاقة بين الفساد والنفاق السياسي كواحدة من أبرز العقبات و التحديات التي تواجه و تهدد مسارات التنمية و الإستقرار الاجتماعي و توطين دولة القانون، 

 فيمثلان معا دائرة مفرغة تفرز المحاباة و تُغيب الكفاءة و تُفٓرِغْ شعرات الإصلاح من مضمونها الفعلي .

بحيث يؤدي الفساد و النفاق إلى تراجع دور الدولة الجامعة لصالح العصبيات القبلية و الجهوية، مما يكرس سيطرة المال الفاسد و طغيان المادة و علي نحو تنهار معه القيم الدينية و المجتمعية و الوطنية و تتغير من خلاله المفاهيم.

يمثل النفاق الغطاء الأخلاقي المزيف الذي يخفي وراءه أبشع ممارسات إستغلال السلطة و المال العام .

بينما يمثل الفساد النتيجة العملية لتغييب المبادئ و تقديم المصالح الشخصية علي المصلحة العامة .

و يعتمد المنافقون سياسيا علي الشعرات الرنانة لخداع الشعوب ،

في حين يمارسون خلف الكواليس نهب الموارد و إفساد المؤسسات. حيث يُقصِي النفاق أصحاب الأمانة و المبادئ و يُقرِب المتملقين و المنتفعين لتسهيل تمرير صفقات الفساد ،

و يصبح النفاق حينها مهارة للبقاء و الفساد ثقافة مقبولة إذا لم يُواجه بوعي حقيقي و محاسبة صارمة .

فتدار مؤسسات الدولة بعقلية الترضيات و المحسوبية لا بالكفاءة و لا بمبدأ المواطنة و هكذا دواليك !!

هذا التماهي يجعل من الفساد و النفاق عملة واحدة تُداول في سوق المصالح الضيقة علي حساب أغلبية الشعب المطالبة بالعدالة .

فيؤدي هذا الثنائي المدمر إلى فقدان المواطنين الثقة في مؤسسات الدولة و ضياع حقوق المجتمع ،

يسود القانون لمن يملك النفوذ لا لمن يملك الحق .

كثيرا ما تُظهِرُ تقارير أجهزة الرقابة و هيئات التفتيش مثل ( محكمة الحسابات أو المفتشية العامة للدولة )

 تجاوزات كبري و إختلالات تسييرية واسعة و فساد مالي كبير في قطاعات حكومية و مؤسسات عمومية ،

و مع ذلك نادرا ما تؤدي أو تُفضِي هذه التقارير إلي عقوبات قضائية رادعة أو إستعادة حقيقية للأموال المنهوبة .

بل ينتهي الأمر غالبا بتسويات سياسية أو إقالات مؤقتة أقرب هي لاستراحة محارب يتبعها تدوير لنفس المفسدين في مناصب عليا أخري أكبر و أكثر أهمية. 

و بالتالي يظل الخوف من تحول ملفات الفساد إلى أداة للتصفية السياسية أو التوازنات القبلية عائقاً أمام الردع الحقيقي.

من جهة أخري يبرز النفاق السياسي بشكل جلي في ظاهرة المبادرات الداعمة للنظام الحاكم ، حيث تتبدل ولاءات النخب السياسية ورجال الأعمال فور تغير رأس السلطة ،

نفس الوجوه التي كانت تُسٓبِح بحمد نظام معين بالأمس هي من تتصدر المشهد اليوم لتبرير سياسات النظام الجديد و وصف فترات الحكم السابقة التي كانوا جزءا منها بالفساد و الفشل ،

و قد يَصِل بهم النكران و الجحود إلي المطالبة بسجن ومحاكمة رأس النظام السابق .

إن مأسسة الفساد لا تتغذي فقط علي غياب آليات الرقابة الفعالة ،

بل تحتمي بنفاق سياسي يُتقِنُ صناعة الوعود و رفع الشعارات ،

مما يُحوِل مكافحة الفساد في كثير من الأحيان من إستراتيجية وطنية حقيقية إلي مجرد مناورات سياسية لتهدئة الرأي العام و إحتواء الأزمات .

حينما يري المواطن البسيط أن النزاهة تُهٓمَشْ و أن النفاق السياسي يُكافٓأ بالتعيينات ينهار الإنتماء و تٓغيبُ الثقة في الخطاب الرسمي ،

حيث تُسهِم هذه الدينامكية في إحتكار الثروة و خيرات البلد بيد أقلية نافذة بينما تٓئِنُ الغالبية العظمي من الشعب تحت و طأة الغلاء و ضعف و تدني الخدمات الأساسية من صحة و تعليم و ماء و كهرباء ...الخ ،

و تعاني أيضا من الفقر والقهر و ضيق العيش داخل الأحياء الهشة و في الداخل .

و هو ما يُوصٓفُ واقعيا و إصطلاحيا ب ( وطن تنهبه أقلية و تبكيه أغلبية ) .

بالتأكيد لن يتحقق الإصلاح الفعلي إلا بقطع دابر التملق السياسي و إعتماد معايير الكفاءة و الأمانة كشرط وحيد لتولي المناصب و الوظائف العمومية العليا و تفعيل المحاسبة العلنية لتجفيف منابع النهب و إستعادة الدولة لصالح جميع أبنائها .

كما تشير النقاشات الحقوقية والسياسية إلى أن صفقات التراضي والمحسوبية، والفساد في القطاع العقاري و غيرها من القطاعات الحيوية تُشكل الروافد الأساسية لثراء طبقة مخملية على حساب تدهور الخدمات العامة. 

و في هذا السياق أكد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في خرجاته الإعلامية و مؤتمراته الصحفية أن محاربة الفساد تمثل إرادة سياسية حازمة وعملاً مؤسساتياً ، مشدداً على أن الفساد الأخلاقي هو الحاضن الأساسي للتجاوزات المالية و استجابة لذلك اتخذت الدولة خطوات تشريعية، كان أبرزها تفعيل السلطة الوطنية لمكافحة الفساد وتعيين أعضاء مجلسها، بالإضافة إلى رفع ميزانيتها في مشروع قانون المالية المعدل ،

تحت بند مكافحة الرشوة و الفساد

بهدف تعزيز الموارد المخصصة لجهود مكافحة الفساد و الرفع من القدرات التشغيلية و المؤسسية للهيئة للقيام بمهامها علي الوجه المرجو و المطلوب .

تأسيسا لما سبق يري معظم المراقبين للشأن العام و أوضاع البلد ،

أن معركة موريتانيا مع الفساد و النفاق السياسي ليست معركة نصوص وقوانين بقدر ما هي معركة وعي جمعي وإرادة سياسية صارمة. ولن تتخلص الدولة من قيود و تبعات هذه الثنائية إلا بتحويل المؤسسات الرقابية الصاعدة إلى رادع حقيقي، وبناء مجتمع مدني واعٍ يرفض النفاق كأداة للتسلق، ويؤسس لثقافة المواطنة القائمة على الحقوق، الواجبات، والعدالة الاجتماعية.

فهل من مدكر ؟!

 

 اللهم احفظ بلادنا من خيانة الخائنين و فساد المفسدين، وأدم عليها نعمة الأمن و الأمان و الإستقرار .

     اباي ولد اداعة.

إعلانات

 

إعلان