
بينما كنت أتابع أخبار الحوار السياسي ، وتحديداً خبر دعوة منسق الحوار للأطراف المشاركة لاجتماع جديد يوم الأربعاء القادم، تذكرت فجأة فيلم "سيد الخواتم" (The Lord of the Rings / Le Seigneur des Anneaux ، وتحديداً مشهد "مجلس إلروند" (Council of Elrond) الذي يجتمع فيه ممثلو الإلف والبشر والأقزام والهوبيت . فإذا بالتشابه مذهل في نقطة جوهرية: خطر انعدام الثقة الذي يهدد أي تجمع مصيري، فالجميع في الفيلم يعرفون أن الشرير "ساورون" قادم ليهلكهم جميعاً، لكن بدلاً من الاتحاد السريع، ينشغل الحضور بالاتهامات القديمة وذكريات الخيانات السابقة، وكل طرف يرفض تقديم تنازلات خوفاً من أن يستغل الآخر هذه التضحية ضده. هنا، كان لا بد من طرف حكيم ليذكرهم بأن الوقت لا يسمح بجلسات العرقلة، وأن الهلاك لا يفرق بين أحد، فالكل في مركب واحد.
وهذا هو المشهد ذاته في حوارنا اليوم. الجميع يدرك التحديات الكبرى، لكن انعدام الثقة يطغى على كل شيء. المعارضة تخشى أن يكون الحوار مجرد مناورة لامتصاص الغضب وشراء الوقت، والأغلبية (الموالاة) تخشى من جهتها أن تستخدم المعارضة الحوار منصة لزعزعة الاستقرار والمطالبة بتغيير جذري يمس شرعيتها. في وسط هذا الجمود، يظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حكيما وضامن، وهو القائد الذي قال صراحة: "لا أرغب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة، ولم آمر أي أحد بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك" ، مقدماً بذلك دليلاً عملياً على أنه لا يريد سلطة مطلقة، ومؤكداً أنه يقف على مسافة واحدة من الجميع، تاركاً الحوار مفتوحاً دون إقصاء لأي طرف أو استبعاد لأي موضوع، ومكتفياً بالحدود الدستورية القائمة.
فالرئيس غزواني، بإصراره على الحوار رغم التجارب المريرة، يثبت أنه يجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. لم يغلق الأبواب، بل مدّ يده للجميع، واستمع إلى مختلف الآراء بصدر رحب، وأتاح مساحة غير مسبوقة للنقاش العلني، وتحمّل نقداً صريحاً دون انقطاع، وفتح الباب لمناقشة قضايا خلافية كانت تعتبر خطاً أحمر في السابق. هذا السلوك العملي هو ما يجعله ضامناً حقيقياً، وحكيماً يمسك العصا من المنتصف محاولاً إقناع الجميع بأن الخطر الحقيقي ليس في التنازلات، بل في استمرار القطيعة.
وفي الختام، وبعد تذكر الفيلم، يبقى في ذهني مشهد مهيب: تحالف الأطراف المتخاصمة ليس لأنهم أحبوا بعضهم فجأة، بل لأن الخطر الأكبر كان سيأكلهم جميعاً. موريتانيا اليوم ليست في حالة حرب، لكنها في حالة صراع مزمن على الثقة. والرئيس غزواني، بكل ما أظهره من حكمة وصبر ووطنية، يثبت أنه الضامن الحقيقي لهذا الحوار، وأنه لا يسعى لسلطة مطلقة بقدر ما يسعى لبناء دولة يتسع فيها الجميع. فهل يجرؤ حريص على سلطة مطلقة على فتح حوار صادق يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار؟ أليست هذه هي الحكمة التي نفتقدها كثيراً في سياساتنا؟ تبقى العبرة لمن يبصر، وأتمنى أن نكون جميعاً قراصنة الأمل لا أشرار الظلام.









