
تشهد القارة الإفريقية، وخاصة منطقة الساحل، تحولات استراتيجية عميقة أعادت رسم موازين النفوذ والشراكات الدولية، وفرضت على القوى التقليدية، وفي مقدمتها الجمهورية الفرنسية، مراجعة شاملة لسياساتها وتحالفاتها في المنطقة. فبعد عقود من الحضور السياسي والعسكري والاقتصادي الفرنسي في عدد من دول الساحل، برزت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات واضحة على تراجع هذا النفوذ، نتيجة تغيرات داخلية وإقليمية متسارعة، رافقتها موجات من عدم الاستقرار الأمني وصعود خطاب سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة مع القوى الغربية.
لقد شهدت العلاقات الفرنسية مع عدد من الدول التي كانت تُعد تاريخيًا من أقرب شركائها في الساحل تراجعًا غير مسبوق، كما حدث مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إضافة إلى حالة الفتور التي مست العلاقات مع السنغال وتشاد بدرجات متفاوتة. وقد أفرزت هذه التحولات واقعًا إقليميًا جديدًا اتسم بتراجع التعاون العسكري التقليدي، وتصاعد التوترات السياسية، وتنامي التحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة.
وفي خضم هذه المتغيرات، برزت موريتانيا باعتبارها واحدة من أكثر الدول حفاظًا على توازنها السياسي والأمني، وأكثرها قدرة على إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية بقدر كبير من الحكمة والواقعية. فقد تمكنت من الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز جاهزية مؤسساتها الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع استمرارها في بناء علاقات تعاون متوازنة مع شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم فرنسا والاتحاد الأوروبي.
ويُنظر إلى موريتانيا اليوم بوصفها شريكًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، بل أيضًا لما تلعبه من دور متزايد في مجالات مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي والتعاون في قضايا الهجرة والتنمية. وقد ساهم هذا الدور في تعزيز مكانتها الدبلوماسية داخل القارة الإفريقية وعلى المستوى الدولي.
كما أن الحضور السياسي والدبلوماسي الموريتاني شهد تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجسد في الثقة التي حظيت بها موريتانيا داخل المؤسسات الإفريقية، فضلًا عن تنامي حضورها في الملفات الإقليمية الكبرى. ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره انعكاسًا لنهج سياسي قائم على الاعتدال والانفتاح والقدرة على بناء التوافقات.
وقد شكلت الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، لما حملته من دلالات سياسية واستراتيجية أكدت أهمية الشراكة بين البلدين، وفتحت آفاقًا جديدة للتعاون في المجالات الاقتصادية والأمنية والتنموية.
ويرى عدد من المتابعين أن مستوى الشراكة بين موريتانيا وفرنسا لا يزال دون الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان، خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار ما تتمتع به موريتانيا من مؤهلات استراتيجية واقتصادية واعدة. فإلى جانب موقعها الجيوسياسي المهم، أصبحت موريتانيا تدخل مرحلة اقتصادية جديدة مع بدء استغلال موارد الغاز الطبيعي، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، فضلًا عن ثرواتها المعدنية الكبيرة من الحديد والذهب والنحاس والفوسفات، وما تمتلكه من إمكانات بحرية وزراعية وحيوانية معتبرة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير الشراكة الموريتانية الفرنسية على أسس أكثر شمولًا واستدامة، لا تقتصر فقط على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل تشمل أيضًا الاستثمار في التنمية الاقتصادية والبنية التحتية والتعليم والتكوين ونقل التكنولوجيا. فتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية لموريتانيا، وتطوير مؤسساتها العسكرية والتكوينية، يمكن أن يشكل عنصرًا مهمًا في دعم الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح المشتركة.
وفي الوقت ذاته، فإن الاستثمار في الاقتصاد الموريتاني والقطاعات الإنتاجية يمثل فرصة استراتيجية للطرفين، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره موريتانيا من فرص واعدة في مجالات الطاقة والمعادن والزراعة والصيد البحري والخدمات اللوجستية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الساحل الإفريقي، تبدو موريتانيا اليوم في موقع يؤهلها لتكون أحد أهم شركاء الاستقرار والتنمية في المنطقة. ومن هنا، فإن بناء شراكة استراتيجية متوازنة وعميقة بين موريتانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة تفرضها المصالح الأمنية والاقتصادية والتحولات الجيوسياسية الجديدة في غرب إفريقيا.
إن التحولات التي تعرفها منطقة الساحل تفرض مقاربة جديدة في بناء الشراكات الدولية، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا مؤهلة للعب دور محوري ومتوازن في المنطقة، بما تمتلكه من عناصر الاستقرار والاعتدال والإمكانات الاستراتيجية، وهو ما يجعل تعزيز التعاون معها خيارًا منطقيًا يخدم مصالحها الوطنية، كما يخدم في الوقت ذاته مصالح شركائها الإقليميين والدوليين
محمد ولد كربالي
عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف








