إنه حقا فقدان البوصلة الوطنية !/ اباي ولد اداعة

خميس, 05/14/2026 - 14:17

لاشك أن أن أزمات الهوية و الإنتقال الديمقراطي قد أدي بالفعل إلي إبراز ظاهرة تراجع و عزوف بعض النخب السياسية و الحقوقية عن تبني الخطاب الوطني الجامع لصالح ولاءات ضيقة عرقية أو شرائحية ،

و هو ما يمكن وصفه بفقدان البوصلة الوطنية .

لعل ذلك ما دفع بجزء من نخبنا السياسية و البرلمانية و الحقوقية إلي التخلي عن الخطاب الجامع مقابل إظهار الولاء للإنتماء العرقي و الشرائحي بدل الوطن .

و علي نحو غير مسبوق كرس للتحدث بإسم شريحة واحدة دون غيرها و الإستثمار في العصبيات و المظالم الاجتماعية التاريخية علي حساب المصلحة الوطنية العليا ،

كبديل لخطاب المواطنة ،

مما قد يحول التنوع العرقي و الثقافي من مصدر ثراء إلي فتيل للنزاع و الفوضي العارمة .

و هو ما يطرح إشكالية تسييس الهوية و الإستثمار في المظالم علي حساب المصلحة الوطنية العليا. 

فحينما تتقوقع النخب ( سياسية أو برلمانية أو حقوقية ) داخل شرنقة الفئوية و الشرائحية أو إثنية واحدة ،

فإنها تساهم بقصد أو غيرها قصد في إضعاف مفهوم الوطن الجامع .

بحيث يمكن تحليل الوضع من خلال النقاط التالية : -

1 - تآكل المشترك الوطني : عندما يتم إستحضار المظالم التاريخية ليس بهدف الإنصاف الشامل و جبر الضرر ،

بل كأداة للمزايدة السياسية يتحول الخطاب من خطاب حقوقي جامع إلي خطاب فئوي شعبوي ينمي الشعور بالإنفصال لا بالإنتماء .

2 - الوطن الجامع كحقيقة لا كشعار : الوطن الجامع يُبني علي المواطنة الكاملة المتساوية لا علي التخادم الفئوي و الشرائحي القائم علي المنفعة .

حينما تغيب رؤية شمولية تحقق التنمية و العدالة للجميع ، تتحول الدولة إلي مساحة لتنازع المصالح الضيقة .

3 - نخب الإرتزاق الحقوقي : هناك فرق بين النضال الحقوقي النبيل لرفع المظالم و بين الإستثمار فيها للبقاء في المشهد السياسي .

هذا النوع الأخير يقتل الوطن ، لأنه يحتاج لإستمرار المظلمة لضمان استمرار نفوذه .

أين الوطن الجامع إذن ؟!

الوطن الجامع يظل مشروعا معطلا طالما أن النخب السياسية لا ترتقي بخطابها و ممارستها لتشمل جميع المواطنين، 

حيث أن الوطن الجامع ليس ترفا بل هو ضرورة لوجود الدولة و إستقرارها، 

و أي استثمار في المظالم لخدمة آجندات ضيقة هو تقويض لأساسات هذا الوطن ،

الوطن الجامع يغيب عند ما تصبح النخب ممثلة للمصالح لا ممثلة لكافة الشعب الواحد .

الوطن يقوي و ينهض حين يختار ابناءه أن يكون جزءا من الحل لا مجرد شهود علي المشكلة .

لكي نحصل علي وطن جامع لا بد من تبني قيم المواطنة الإيجابية و تعزيز التكافل الاجتماعي و تجاوز العقليات الإنغلاقية و تَبَنِي سياسات بناء شاملة و ناجعة .

إن الدعوة إلي الإستقواء بأطراف خارجية ضد أبناء الوطن و التذرع بحماية مكونة اجتماعية غير مهمشة بشكل ممنهج تتمتع بكل الحقوق و الواجبات كغيرها من مختلف مكونات الشعب ،

هو إستراتيجية تُستخدم غالبا لخلق الفتنة أو للتدخل في الشؤون الداخلية تحت غطاء حقوقي،

وهي مرفوضة وطنيا لأنها تقوض السلم الأهلي و النسيج الاجتماعي. 

كما تعتبر من منظور وطني تصرفا يتجاوز الخلافات السياسية المشروعة ليصل إلي تهديد جوهر الوحدة الوطنية و الخروج علي دعائم الأمن القومي .

هذا السلوك يساهم في تعميق الإنقسامات بين أبناء الوطن الواحد و يحول الخصومة السياسية إلي صراع وجودي يضر بالسلم و التعايش المشترك.  

في حين تشير كل المواثيق الوطنية و الأعراف السياسية في معظم دول العالم إلي أن الحوار الداخلي هو السبيل الوحيد لتجاوز الخلافات و حل المظالم الاجتماعية التاريخية .

و أن الإستعانة بالخارج ضد طرف وطني آخر هو تجاوز للخطوط الحمراء .

من جهة أخري يعتبر الإستقواء بالخارج في ظل عدم تهميش حقيقي عملا غير مشروع يهدف إلي إثارة الفتنة أو تحقيق مكاسب خاصة غير مستحقة و هو ما يتنافي مع مبادئ المواطنة المتساوية .

الإنتقال من الفئوية و الشرائحية إلي دولة القانون و المواطنة، 

يتطلب إرادة سياسية حقيقية من أجل فرض هيبة الدولة بالعدالة الإجتماعية و عبر وعي مجتمعي و تطبيق صارم للقانون .

إن الولاء للشرائحية و الفئوية يضعف الدولة، 

بينما الولاء للوطن يقويها و يحقق النهضة المرجوة .

الحل يكمن في خلق توازن يضمن العدالة للجميع ،

و يجعل المواطنة هي الأساس الوحيد للحقوق و الواجبات، 

فالمظالم التاريخية ينبغي أن تُعالَج في إطار وطني بمعني ( الدولة الحاضنة للجميع ) لا في إطار إنتقامي أو فئوي أو شرائحي هدام .

ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضي هو خطاب جامع و سماع بعضنا البعض و إغتنام فرصة الحوار الوطني المرتقب الذي سبق و أن تعهد به فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. 

ضمن برنامجه الإنتخابي .

و الجلوس معا علي طاولة حوار وطني شامل وجامع جاد مبني علي المصارحة و المكاشفة و معالجة كل الإختلالات و الإشكالات و مواجهة القضايا الوطنية العالقة بالحلول لا بالتجاهل و النكران ،

و تقديم التنازلات المؤلمة من أجل مصلحة الوطن و ذلك بتغليب منطق المواطنة الصالحة و المخلصة علي تراهات المصالح الضيقة .

و ردم الهوة التي أنشأت بين مختلف مكونات المجتمع .

كما نحتاج أيضا إلي تقريب التباعد و بث رسائل التقارب و التصدي بكل قوة و حزم لما نلاحظه من حين لآخر من داخل البرلمان وفي الشارع و عبر منصات و وسائل التواصل الإجتماعي من إنتشار غير مسبوق لخطاب الكراهية و التحريض العنصري و إثارة النعرات العرقية بشكل لا يخدم أمن و إستقرار البلد ،

و لا التعايش الأهلي السلمي .

و ضرورة تدارك الوضع قبل فوات الأوان .

و العمل سويا قصد فرض هيبة الدولة بالعدل و القانون علي نحو يعزز قيم الولاء و الإنتماء للوطن ويقوي اللحمة الوطنية و يكرس دولة المواطنة و المساواة و يحقق العدالة الإجتماعية و يجسد التقسيم العادل للثروات بشكل تعم فيه الرفاهية و تذوب فيه كل الفوارق الإجتماعية.

تأسيسا لما سبق فإن ما يجمعنا هو ثوابت و قيم وطنية و دينية و أصول ثابتة تندرج ضمن روابط و قواسم كبيرة مشتركة وجامعة .

في حين يبقي ما يفرقنا هو حالات فرعية و خلافات آنية عابرة و قضايا تم تضخيمها و توظيفها بشكل سيئ و خاطئ أساء للوطن و خدم آجندات خارجية تتربص بوحدة و إستقرار البلد و النيل من ثوابته الوطنية . 

لكن هيهات!!!

 

الوطن أمانة في اعناق أبنائه جميعا .

 

حفظ الله موريتانيا

  اباي ولد اداعة 

إعلانات

 

إعلان