
تشهد موريتانيا منذ فترة عودة ملحوظة للأنشطة و الندوات الفكرية التي تتبناها التيارات القومية العربية في محاولة لإعادة صياغة المشهد الوطني و إحياء الفكر القومي و التذكير بمراحل النضال الوطني ،
و ذلك في سياق يطبعه صراع خفي حول الهوية و مستقبل الدولة الوطنية .
مما ينذر بتحولات سياسية و اجتماعية هامة ،
خاصة مع تصاعد المطالب الفئوية و بروز نزاعات شرائحية و عرقية .
و تزايد إنتشار خطابات الكراهية و التحريض عبر وسائل و منصات التواصل الاجتماعي ،
حيث تحاول هذه التيارات استثمار ذكري نضالها لتعزيز مكانها داخل المشهد السياسي الراهن .
خاصة في ظل النقاشات الدائرة بين فرقاء الطيف السياسي حول العمل المشترك من أجل ترسيخ دعائم العدالة الاجتماعية و تعزيز الوحدة الوطنية .
تاريخيا و في السياق الموريتاني المعاصر ،
يعد القوميون العرب بمختلف أطيافهم كحزب البعث و الناصريين ،
تيارا فكريا و سياسيا مهما علي الرغم من الإختلافات التنظيمية أو التكتيكية أحيانا .
إلا أن أدبياتهم و ممارساتهم تشير إلي أن ما يجمعهم ( البعثي و الناصري ) أكثر و أكبر مما يفرقهم .
و هو ما يتجلي في نقاط الإلتقاء التالية التي تعزز هذا الطرح أو التوجه .
1 . وحدة المصير و الإستهداف : ينظر إلي التيارات القومية العربية في موريتانيا ككتلة واحدة من قبل الخصوم ،
مما يفرض عليهم وعيا جديدا بضرورة التوحد لمواجهة التحديات المشتركة ،
2 . ثوابت المشروع القومي: يؤكد القوميون علي مبادئ مشتركة مثل العروبة و الوحدة الوطنية و العدالة الاجتماعية، حيث تعتبر هذه القيم جوهر العروبة و النهضة العربية .
3 . التمسك بالهوية العربية : تشترك هذه التيارات في النضال من أجل تعزيز مكانة اللغة العربية و الثقافة العربية داخل البلاد و مواجهة طغيان اللغة الفرنسية في الإدارة و التعليم .
4 . تقارب المرجعيات : على الرغم من إختلاف التسميات ( البعث العربي الإشتراكي و الناصريين )فإن الخط القومي في موريتانيا يقوم علي طرح واحد في جوهره ،
يركز على استحضار تراث العرب و تجاربهم القومية .
5 . مواجهة التحديات السياسية : تشارك التيارات القومية العربية في الساحة السياسية الموريتانية بمواقف متقاربة اتجاه قضايا الهوية الوطنية و السياسة الخارجية العربية كالموقف من القضية العربية الفلسطينية .
في حين أثبتت التجارب أن الخلافات البينية للقوميين العرب بموريتانيا هي خلافات أولويات يعني مسألة ترتيب ،
لا خلافات في الأهداف الجوهرية،
مما يجعل ما يجمعهم ركيزة أساسية يجب البناء عليها .
تأسيسا لماسبق فإن الدعوات لتوحيد التيار القومي العربي في موريتانيا مثل ( الدعوات التي سبق أن نادي بها الدكتور الناجي محمد لمام ) موجودة و تطالب بتجاوز الذاتيات و الخصوصيات نحو توحيد الشتات في إطار جديد يجمع بين موروثه النضالي و متطلبات الحاضر المعاصر ،
لكن الواقع التنظيمي المشتت و ثقل البني القبلية و الإختلاف في التعامل مع النظام الحاكم ،
لا يزال ذلك ضمن أمور أخري يحول دون تحقيق وقفة رجل واحد في إطار حزبي إنصهاري أو نحو إندماج كامل في هيكل واحد .
في ظل تبني البعض رؤية ضرورة التأقلم مع التوازنات السياسية الحالية .
طتزامنا مع تراجع ادوارهم التقليدية و تراجع أيضا دور الوسط الطلابي الذي شكل تأريخيا خزان الحركة القومية ،
لصالح فضاءات سياسية أخري.
بالإضافة إلي تحول الإهتمام الدولي نحو الديمقراطية و حقوق الإنسان ،
وهو ما لم يكن في صلب أولويات القوميين .
بحيث لم يعد الخطاب القومي العربي في موريتانيا قادرا علي المنافسة السياسية الفعالة ،
فقد حلت محله قضايا داخلية أملتها ظروف المرحلة ،
مع ظهور تيارات أخري أكثر براغماتية و تركيزا علي الهوية المحلية ، كالإسلاميين أو دعاة الشرائحية ... الخ
مما جعل التيارات القومية العربية تواجه لحظة تأمل ثقيلة !!!
و هو ما يتطلب منها إيجاد رؤية إستراتيجية محدثة تتجاوز الشعارات التقليدية و تربط القضايا القومية ( الهم المشترك ) بالقضايا الوطنية ( الأمن والتنمية المحليين ) في سياق ديمقراطي حديث ،
يعزز التضامن و يساهم في تجاوز التحديات الراهنة عبر مؤسسات وطنية ديمقراطية و مواطنة فاعلة .
حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة

















