
لا تُقاس العلاقات بين الدول بطول تاريخها فحسب، بل بقدرتها على التجدد ومواكبة التحولات الدولية. وفي هذا السياق تبرز العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والجمهورية الفرنسية بوصفها واحدة من الشراكات التي استطاعت أن تحافظ على استمراريتها، وأن تتطور تدريجيًا من إرث تاريخي إلى تعاون قائم على المصالح المشتركة والرؤية المتقاربة تجاه قضايا المنطقة.
لقد مرت هذه العلاقة بمراحل متعددة منذ استقلال موريتانيا، غير أنها ظلت محافظة على جوهرها القائم على الحوار والتفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي والثقافي. ومع مرور الزمن، لم تعد هذه العلاقة مجرد امتداد لتاريخ مشترك، بل أصبحت إطارًا لشراكة تتجدد وفق متطلبات الواقع الإقليمي والدولي.
وتأتي زيارة التاريخية لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الجمهورية الفرنسية بدعوة من فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون، لتؤكد هذا المسار المتنامي من التعاون. فهي زيارة تحمل في طياتها دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تعكس إرادة مشتركة لدى قيادتي البلدين لتعزيز الشراكة وتوسيع مجالاتها بما يخدم مصالح الشعبين.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت هذه العلاقة بعدًا استراتيجيًا واضحًا، خاصة في ظل التحديات التي تواجه منطقة الساحل الإفريقي. فقد أصبحت موريتانيا فاعلًا محوريًا في جهود ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما جعل التنسيق بينها وبين فرنسا يحظى بأهمية متزايدة، سواء في مجال مكافحة الإرهاب أو في دعم مسارات التنمية والاستقرار.
كما يشكل التعاون الاقتصادي أحد أهم أوجه هذه العلاقة، حيث ساهمت الشراكة مع المؤسسات والشركات الفرنسية في دعم مشاريع تنموية مهمة في موريتانيا، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والطاقة والتنمية المحلية. ويعكس ذلك توجهًا نحو بناء شراكة متوازنة تقوم على الاستثمار والتنمية المستدامة بدل الاقتصار على أشكال التعاون التقليدية.
ولا يقل البعد الثقافي والتعليمي أهمية عن غيره من مجالات التعاون، إذ أسهمت برامج التبادل الأكاديمي والثقافي في تعزيز التقارب المعرفي والإنساني بين الشعبين، وهو ما يمنح هذه العلاقة بعدًا حضاريًا يتجاوز حدود المصالح السياسية والاقتصادية.
إن العلاقات الموريتانية الفرنسية اليوم تقف عند مفترق مرحلة جديدة، عنوانها الثقة والاحترام و تعميق الشراكة وتوسيع مجالات التعاون بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها العالم. وفي ظل هذه المتغيرات، تبدو الحاجة ملحّة إلى تطوير هذه العلاقة على أسس أكثر توازنًا وفعالية، بما يحقق المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وهكذا، فإن ما يجمع موريتانيا وفرنسا لم يعد مجرد علاقات تقليدية بين دولتين صديقتين، بل أصبح نموذجًا لشراكة يمكن أن تتطور باستمرار كلما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا
محمد ولد كربالي
عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف









