
تشهد العاصمة انواكشوط من وقت لآخر طوابير طويلة و ضغطا كبيرا علي محطات الوقود مدفوعة بشحن في العرض و مخاوف من نقص الإمداد .
بالتزامن مع إرتفاع عالمي متزايد في أسعار المحروقات بسبب تداعيات الحرب علي ايران ،
و في ظل شبه توقف لمحطات الوقود و امتناع بعضها عن البيع بحجج متباينة
تارة لنفاد المخزون في انتظار وصول الشحنات المقررة أو بسبب تأخر الموردين ،
أو بهدف حبسها لتوقع إرتفاع الأسعار و تحقيق أرباح أعلي لاحقا،
و هو ما يعد إحتكارا محرما شرعا و ممنوعا قانونا .
علي الرغم من تأكيدات الحكومة بوجود مخزون إستراتيحي كاف و عدم تسجيل أي نقص ،
بالتزامن مع الإعلان عن وصول ناقلات توريد جديدة لميناء الصداقة انواكشوط محملة بكميات كبيرة من المواد البترولية تم تفريغها في الخزانات لضمان تغطية إحتياجات السوق المحلية ،
مع وجود نواقل أخري تنتظر دورها في التفريغ .
هذا الوضع خلق إحتقانا و إستياءا شعبيا واسعا و حالة من الفوضي العارمة زادت من حدة الطوابير و المشاجرات في محطات الوقود.
و علي نحو تسبب في ندرة مادة البنزين و المازوت علي حد سواء ،
صحيح قد تمتنع محطات الوقود عن البيع بدواعي أمنية في حالة وجود خطورة ،
أو تلجأ إلي البيع بالحصة ( الكوتا ) بتعليمات من السلطات الإدارية لضرورة ترشيد الإستهلاك ضمن خطة حكومية معلنة في حالة الأزمات الطارئة و الحادة جدا .
لكن هذا ليس هو الحال الآن .
إذ لا يخفي علي أحد أن أزمة إمتناع بيع الوقود للمواطن في مثل هذه الظروف لدليل قاطع علي نفوذ و تحكم التجار في سوق المحروقات و إحتكارهم للوقود و تجاهلهم للقانون ،
قصد تعسير الحياة علي المواطنين و حبس ما يضرهم فقده ،
و لجشعهم في تحقيق أرباح بشكل دائم علي حساب حاجة المواطن ،
أمام التراخي و التمايز في تطبيق القانون .
حيث تشير معظم الدلائل و الشهادات الميدانية في مختلف السياقات ،
إلي أن أزمات الوقود غالبا ما تكون مفتعلة تقف و راءها ممارسات إحتكارية من قبل بعض التجار و أصحاب شركات التوزيع ( الملاك الحقيقيون لمحطات الوقود ) ،
بهدف رفع الأسعار أو الضغط لتحقيق مكاسب مالية ،
ينتج عن هذا الجشع طوابير طويلة و نقص في الإمدادات و تضخم إقتصادي مما يفاقم المعاناة الشعبية .
أحيانا تثار شبهات حول بعض أصحاب المحطات بتخزين الوقود لبيعه في السوق السوداء بأسعار مرتفعة ،
خاصة في أوقات الإضطرابات الإقتصادية و تفاقم أزمات الطاقة .
هذه الوضعية تستدعي مراقبة صارمة لضمان انتظام التموين و الشفافية في تحديد الأسعار،
و منع أي إستغلال للموقع المهيمن في سوق المحروقات .
مما دفع وزارة الطاقة و النفط للدخول علي خط الأزمة و إرسال بعثات تفتيش و إغلاق محطات مخالفة بشكل مؤقت كخطوة أولي في انتظار إتخاذ إجراءات ردع أكثر صرامة و تأثير بحق المتلاعبين قد تصل إلي إغلاق المحطات بشكل نهائي و سحب التراخيص.
إجراء قد يساهم دون تقديم بديل في الظروف الحالية إلي زيادة حدة أزمة الوقود بدل تراجعها من خلال تقليل منافذ البيع المتاحة .
مما يسبب طوابير و وزيادة و ضغط علي المحطات الأخري.
بحيث إن أستمرت الأزمة علي هذا النحو من المعاناة قد تؤثر بشكل أو بآخر علي أسعار المواد الغذائية و البضائع الأساسية و الخدمات .... .. الخ .
إلي جانب ذلك قامت الأجهزة الأمنية بتكثيف حملاتها بشكل مستمر و علي نطاق واسع ،
من أجل حماية الإقتصاد و دعم المواطنين عبر الحد من إستنزاف الوقود المدعوم و منع بيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة ،
و هو ما أسفر عن ضبط و مصادرة كميات كبيرة من المواد البترولية مجهزة كانت في طريقها للتهريب ،
حيث ستساهم هذه الخطوات في كسر شوكة العصابات المنظمة ،
و الحد من تهريب الوقود و التلاعب بمصالح المواطنين .
و ضمان وصول الموارد لمستحقيها و حفظ الأمن الإستراتيجي.
من جهة أخري ساهمت الشائعات المتداولة حول إنقطاع الوقود و تراجع الإمدادات في زيادة الهلع و رفع نسبة المبيعات ،
حيث تضاعفت مبيعات محطات الوقود اليومية بشكل غير مسبوق وسط حالة من الهلع و الخوف من نقص الإمدادات،
مما دفع بعض المواطنين لشراء و تخزين الوقود بشكل مفرط و غير منطقي ،
هذا الإرتفاع المفاجئ في الطلب و ليس نقصا حقيقيا للمادة ،
هو السبب الرئيسي للإزدحام الشديد أمام محطات الوقود.
في حين يري بعض المراقبين و المحللين أن إتساع دائرة إحتكار الوقود و تفاقم الأزمة مرده هو إستحواذ و سيطرة شركات توزيع المواد البترولية علي معظم محطات البيع بالتجزئة ،
مما مكنها من التحكم في حجم المعروض و منحها قوة سوقية هائلة للسيطرة علي سلاسل الإمداد من الإستيراد إلي البيع النهائي بالمحطات،
و هو ما يهدد بفرض هيمنة إحتكارية و يسمح بمحاولة التلاعب بالأسعار،
و يثير شبهات قوية حول قيام شركات التوزيع بإمتناع مدروس أو مقصود عن تزويد المحطات المستقلة بإنتظام لصالح تمكين المحطات التابعة لها ،
و هو ما قد يتسبب في أزمات الإمداد و تشويه صورة السوق و يفتح الباب أمام الشائعات و إثارة المخاوف من نقص المواد البترولية.
أو إستغلال المخزون الإحتياطي لفرض شروطها و تأزيم السوق ،
و هو ما من شأنه أيضا أن يضيق الفرص علي المستثمرين الصغار و المحليين ،
و يؤدي إلي وأد المناسفة الشريفة و خلق تبعية إقتصادية .
بالتأكيد الإستحواذ علي مثل هذه القطاعات الحيوية يزيد من تمركز الثروة في أيادي قلة ،
و من تفاقم إنعدام المساواة الإجتماعية و الإقتصادية .
كما يساهم في زيادة فجوة الفقر و تآكل الطبقة الوسطي.
بالطبع النقص يؤسس للأزمة لكن جشع و نفوذ بعض كبار التجار هو من يعمقها و يحولها إلي أزمة مفتعلة .
هذه الهيكلة تمنع بقية صغار الموزعين و أصحاب المحطات المستقلة من المنافسة العادلة .
خاصة أن معظم قدامي الفاعلين في مجال المحروقات من أصحاب المحطات القديمة و المواطنين العاديين أجبروا علي هجر القطاع ،
بعد ما تم تضييق الخناق عليهم و محاصرتهم من طرف ملاك شركات التوزيع الجدد ،
من خلال المماطلة في توفير الوقود لمحطاتهم بشكل منتظم ،
و حجبه في أغلب الأحيان .
مما أدي إلي إفلاس المحطات في نهاية المطاف ،
بعد ما كانت في السابق مراكز حيوية توفر الخدمات الأساسية،
شكلت وجهة و قبلة ردحا من الزمن لساكنة انواكشوط.
حيث مازالت هذه المحطات مهجورة و ماثلة للعيان تتميز بتموقع تنافسي رائع و بوجودها الإستراتيجي علي واجهة المحاور الطرقية و عند التقاطعات الرئيسية بالعاصمة ،
و في سياق المطالبة بالحلول العاجلة و العادلة ،
يتطلع المواطنون إلي تدخل حكومي حازم لتنظيم قطاع الطاقة بهدف تحقيق عدالة التوزيع و توفير طاقة مستدامة و بأسعار معقولة ،
مع ضمان شفافية التزود بالوقود و منع الممارسات الإحتكارية ،
خاصة في ظل الأزمات الإقتصادية و تأثيرات أسعار المحروقات المباشر علي معيشة المواطنين .
بحيث تسعي هذه الدعوات الي ضرورة تفعيل دور المؤسسات في الرقابة على الأسواق و تطبيق حوكمة شاملة للحد من نهب الموارد و الفساد في هذا القطاع الحيوي،
ضمن رؤية حكومية طموحة تسعي لإصلاح اقتصادي شامل يحقق العدالة الإجتماعية.
حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة .











