ضرورة تعزيز دور العلماء في محاربة الفساد/ اباي ولد اداعة

أربعاء, 03/18/2026 - 03:25

بناءا علي معطيات اللقاء الهام الذي خص به فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، 

يوم أمس بالقصر الرمادي ،

لجنة العلماء و المشايخ الموريتانيين المكلفة بالحوار مع السجناء السلفيين. 

حيث أشاد بجهود اللجنة معربا عن تقديره العالي للعلماء واصفا جهودهم بالجبارة و الوطنية في محاربة الغلو و التطرف، 

قصد تصحيح المفاهيم و تعزيز الوعي الديني و ترسيخ قيم الوسطية و الإعتدال و الإستقرار الفكري 

و بالتالي إحتواء الإرهاب فكريا ،

و هو ما يعد ركيزة أساسية في إستراتيجية الدولة الأمنية و الفكرية .

من أجل تعزيز الثقة في المقاربة الموريتانية الفريدة في التعامل مع ملف السجناء السلفيين و التي تعتمد الحوار الفكري كأداة رئيسية بالإضافة إلي الإجراءات الأمنية و القضائية ،

 ففي نفس السياق يري بعض المراقبين للشأن العام ضرورة قيام هذه اللجنة الموقرة بفتح حوار مماثل للمناصحة بشأن الفساد .

مع كبار المسؤولين الذين يتصدرون المشهد الوظيفي و يتولون المناصب العليا و يديرون الشأن العام و يتحكمون في مفاصل الدولة ،

من أجل تفعيل دورها من خلال التوعية بأهمية الأمانة و تحريم أكل المال العام و دعم جهود الدولة في الحفاظ على مقدرات البلد,

و لا يتأتي ذلك إلا بتفعيل منظومة القيم السلوكية في الإدارة العامة لضمان النزاهة و الشفافية و العدالة و الأمانة في الوظائف و المناصب العامة ،

فيكون ذلك جزءا من تغيير المنكر الشامل .

 نظرا لما يسببه الفساد من إعاقة للتنمية و تجويع للشعوب و ما يشكله أيضا من مخاطر علي أمن و إستقرار البلاد و العباد.

فالفساد في جوهره شكل من أشكال التطرف السلوكي و القيمي ، حيث يمثل إنحرافا صارخا عن القواعد الأخلاقية و القانونية و كسرا للمبادئ العادلة لإدارة المال العام ،

كما يمثل تطرفا في أنانية الفرد علي حساب المصلحة العامة ،

مما قد يؤدي إلي تداعيات متطرفة مثل : إنهيار الدول ، إحباط المواطنين ، زيادة إنعدام المساواة و تقويض المساءلة .

فإذا كان الفساد يعزز من مشاعر الإحباط فإن الإحباط سيؤدي حتما إلي تفشي الفساد ،

خاصة مع تراجع الإلتزام الأخلاقي و الوازع الديني و الوطني في أداء الوظيفة ، 

 في حين يؤدي ضعف و هشاشة تقارير هيئات التفتيش و الرقابة و التي تفتقر أحيانا للجوهر و الفاعلية إلي العجز عن إكتشاف مكمن الفساد ،

لعدم التركيز علي ملفات المخاطر العالية التي ترتفع فيها نسب الفساد ،

و التدقيق بعمق دون تجاهل أو إهمال ،

و هو ما يقلل أثرها في المساءلة و المحاسبة ،

و يعيق ملاحقة المسؤولين الفاسدين قضائيا .

و يؤدي بالتالي إلي إفلات الجناة من العقاب .

و لنا في التقارير التي أصدرتها محكمة الحسابات مؤخرا شواهد كثيرة ،

ملفات فساد بمئات المليارات تم الإفصاح و الإعلان عنها بشكل رسمي ،

و التعاطي معها إعلاميا علي نطاق واسع و عبر وسائل التواصل الاجتماعي،

تضمنت أسماءا علي أنها ضالعة و مسؤولة بشكل أو بآخر عن كل هذا الفساد ،

تم تجريد و إقالة كل المشمولين بالملف بأوامر و قرارات حكومية علي جناح السرعة .

 مما أثار جدلا واسعا حينها داخل الأوساط الشعبية و إستياءا كبيرا من حجم و خطورة الفساد المنتشر بالقطاعات الحكومية و مؤسسات الدولة الخدمية ،

 لدرجة أنها أضحت قضية رأي وطني .

انتهي بها المطاف أمام أول عتبة من مراحل التقاضي( تكييف التهم النيابة ) ،

حيث تم إختزال الملف المثير للجدل قضائيا في شخصيات و أسماء قليلة دون غيرها ،

و حفظ الدعوي بحق معظم المشمولين بالملف من قبل النيابة العامة و جهة التحقيق ،

دون إحالتها للمحكمة ،

لعدم كفاية الأدلة أو كون الفعل لا يشكل جريمة أو عدم صحة الواقعة ،

و هو إجراء إداري قضائي تصدره النيابة أو جهة التحقيق يتمتع بحجية مؤقتة تزول بظهور مستندات أو أدلة جديدة ،

و هو ما يعني عدم تحريك الدعوي الجنائية لنفس الأسباب التي سبق ذكرها .

لكن جرت العادة في مثل هذه الحالات أن يتم تجاوز الأمور و طي الملف مع مرور الوقت .

و هو ما يجعل من تقارير الهيئات الرقابية جعجعة بلا طحين !!

من هنا يأتي أهمية تعزيز دور العلماء ،

لعل و عسي بالكلمة الطيبة و الموعظة الحسنة يفتح ذلك باب التوبة أمام المسؤولين الفاسدين و إسترجاع أموال الشعب المنهوبة أو الحد من الفساد .

إن دور لجنة العلماء ينبغي أن يكون مكملا للجهود النظامية و الرقابية بهدف تحصين المجتمع ذاتيا ضد الممارسات الفاسدة .

بدل الإستمرار و التركيز علي حوار من وراء القضبان 

مع سجناء سلفيين قابعين في السجن منذ أكثر من 16 سنة ،

لا حول و لا قوة لهم .

تجدر الإشارة إلي أن هذا المسار تكرر عبر السنوات ،

حيث تم الإفراح عن دفعات متتالية من السجناء السلفيين بعد توبتهم و التوقيع علي التخلي عن العنف و التطرف، 

فهل يمكن إسقاط تجربة لجنة العلماء في مجال مكافحة الغلو و التطرف، 

علي الحرب المعلنة علي الفساد ؟!

بالتأكيد قد تتحول تجربة مكافحة التطرف من سياق ديني و أمني إلي سياق قيمي و أخلاقي و إداري شامل .

مما يجعلهما نهجين متكاملين لحماية المجتمع ،

و مواجهة الفساد بصفته خطرا يهدد إستقرار الدولة و تنميتها ،

تماما كالتطرف .

 

الوطن أمانة في اعناق الجميع .

 

       رمضان كريم

      اباي ولد اداعة .

إعلانات

 

إعلان