الرجل الأكثر ثقة لدى ديغول/ أعل الشيخ سيدين

أحد, 03/15/2026 - 14:44

حين توسع تطبيق ضريبة القيمة المضافة (TVA) في فرنسا في ستينيات القرن الماضي، لم تكن الضريبة في ذاتها حدثًا جديدًا في النظام المالي الفرنسي، فقد كانت موجودة منذ سنوات، لكن ما حدث في تلك المرحلة كان تحولًا حقيقيًا في فلسفة إدارة آليات التحصيل الضريبي، حيث انتقلت الضريبة من نص قانوني محدود التطبيق إلى أداة مالية واسعة النطاق تُطبق على مختلف مراحل النشاط الاقتصادي وتُحصَّل بانتظام.

 

كان ذلك التحول جزءًا من العمل الذي قادته حكومة جورج بومبيدو تحت قيادة الرئيس شارل ديغول، فبينما كان ديغول يقود المشروع السياسي الأكبر في تاريخ فرنسا الحديث، كان بومبيدو يتولى المهمة الأكثر تقنية وهي تنظيم الاقتصاد وإعادة ترتيب مالية الدولة.

 

لكن الإصلاح المالي كما هو معروف في تاريخ الدول لا يمر عادة في صمت، فقد ظهرت إلى جانب بعض الأصوات الجادة، جوقة من السياسيين الأقل وزنًا مثل الكاتب الاستفزازي جان إيديرن هالييه، وهو سياسي لم ينجح يومًا في بناء قاعدة شعبية حقيقية، وكان يواظب على مهاجمة الحكومة في مقالات حادة أقرب إلى الاستعراض السياسي منها إلى التحليل الاقتصادي.

 

وعلى الضفة الأكثر راديكالية كان الناشط التروتسكي ألان كريفين يرفع شعارات ثورية صاخبة ضد السياسات المالية للدولة، في خطابات لم تتجاوز غالبًا حدود المنابر الاحتجاجية والصحف التي كانت تنشرها، قبل أن يتبين في السنوات اللاحقة أن كثيرًا من تلك “الثورية” لم يكن سوى ضجيج إعلامي ارتبط لاحقًا باتهامات بالابتزاز الإعلامي لبعض الشخصيات العامة.

 

ومع مرور السنوات بدأ الواقع يفرض كلمته ،فقد تحولت ضريبة القيمة المضافة إلى أحد أعمدة المالية العامة في فرنسا، وتوفرت للدولة موارد منتظمة مولت توسع الصناعة والبنية التحتية، وهكذا أصبحت تلك المرحلة جزءًا مما يسميه المؤرخون اليوم مرحلة التحول الاقتصادي الكبير في فرنسا الحديثة.

 

ومع الزمن تلاشت كثير من تلك الأصوات التي كانت تملأ الصحف والبيانات، أما السياسات المالية التي انتقدوها بشدة فقد بقيت قائمة وأصبحت جزءًا ثابتًا من بنية الدولة الحديثة في فرنسا.

 

وفي النهاية بقي وصف واحد يلازم اسم الرجل في التاريخ السياسي الفرنسي ، إنه "الرجل الأكثر ثقة لدى ديغول".

إعلانات

 

إعلان