
في الدول التي تحترم ذاتها، لا تُقاس قوة الدولة بمجرد قدرتها على سنّ القوانين، بل بمدى التزام مؤسساتها ورموزها بمقتضيات السيادة، وفي مقدمتهم وزير العدل، الذي لا يمثّل شخصه فحسب، بل يجسد سلطة الدولة القانونية وهيبتها الدستورية باعتباره حارس الأختام وضامن احترام الشرعية.
إن وزير العدل ليس فاعلاً سياسياً عادياً يمكن إدراجه ضمن سجالات الخطاب الشعبوي أو المناكفات البرلمانية، بل هو ركن أساسي من أركان السيادة، ومسؤول مباشر عن حماية النظام القانوني، وترسيخ استقلال القضاء، وصون الحقوق والحريات في إطار القانون. ومن هذا المنطلق، فإن أي استهداف لفظي أو تشكيك غير مؤسس في نزاهته أو في قراراته لا يُعدّ مجرد رأي سياسي، بل مساساً صريحاً بهيبة الدولة ذاتها.
ولا خلاف على أن البرلمان فضاء للنقاش والمساءلة، وأن النواب يتمتعون بحق التعبير والنقد، غير أن هذا الحق في دولة القانون محكوم بضوابط دستورية وأخلاقية واضحة. فالمساءلة شيء، أما التجريح أو إطلاق الاتهامات دون سند قانوني فهو أمر مختلف تماماً. والنائب، بصفته ممثلاً للشعب، مطالب قبل غيره بالتحلي بروح المسؤولية والانضباط واحترام المؤسسات، لا بتقويض ثقة المواطنين فيها عبر تصريحات انفعالية أو معلومات غير دقيقة.
إن الدفاع عن وزير العدل في مثل هذه السياقات لا يُعدّ اصطفافاً سياسياً ولا حماية لشخص، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي: علوية القانون وهيبة مؤسسات الدولة. فالتطاول على وزير السيادة دون رادع يفتح الباب أمام الفوضى الرمزية، ويحوّل الخطاب العام إلى ساحة تشكيك دائم في كل سلطة وكل مؤسسة.
وقد أحسن وزير العدل حين التزم حدود مسؤوليته، واكتفى بتوصيف الوقائع توصيفاً قانونياً موضوعياً، دون الانجرار إلى ردود شخصية أو مهاترات سياسية. فهذا هو السلوك الذي يليق برجل دولة يدرك أن كلماته ليست رأياً فردياً، بل موقفاً مؤسسياً محسوب الأثر.
إن حماية هيبة وزير العدل ليست ترفاً سياسياً ولا قيداً على حرية التعبير، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات الاستقرار واحترام دولة القانون. فالدولة التي تُهان مؤسساتها من داخلها تفقد تدريجياً قدرتها على فرض القانون مهما بلغت جودة نصوصه.
وفي المحصلة، يبقى المبدأ واضحاً لا لبس فيه: لا ديمقراطية بلا مؤسسات محترمة، ولا مؤسسات محترمة بلا مسؤولين يُصان مقامهم، وفي مقدمتهم وزير العدل، وزير السيادة وحارس الشرعية.
أ. الداه محمد المصطفى كربالي








