الطرق الصوفية بين المقصد و الوسيلة/ اباي ولد اداعة

جمعة, 01/02/2026 - 20:09

رفعا للبس وتصحيحا لبعض المواقف و المفاهيم و المآخذ الحاصلة و الخاطئة لدي البعض في التقليل من شأن الطرق الصوفية و نكران دورها المحوري و التاريخي في مناهضة و مجابهة المستعمر و نشر الإسلام و تبيان شرع الله وزرع المحبة و السلام و التآخي بين الشعوب داخل إفريقيا وخارجها.

أود بادئ ذي بدء أن أعرج علي التعريف بها و بمقاصدها ،

بحيث تعد الطرق الصوفية وسيلة تربوية و سبلا سلوكية لتهذيب النفس و الوصول إلي معرفة الله و محبته ( المقصد ) ، 

تستمد شرعيتها من الكتاب و السنة عبر تخليص النفس من المهلكات ( الكبر و الحسد و الرياء ) .

و التحلي بالطاعات ( الزهد و التوكل و الصبر ) ،

تهدف إلي غرس القيم الدينية و تزكية النفس و تصفية القلب و الترقي في مقامات الإحسان .

و بالتالي تكوين شخصية مسلمة مطمئنة تزكية و عبادة ،

قصد تحقيق حالة من التوازن الروحي و التفويض. 

 كما ظهرت الطرق الصوفية كنزعة زهدية و فردية في نهاية القرن الأول و بداية الثاني الهجري كرد فعل زهدي و روحي ضد إنتشار الترف و المجون و الإنغماس في الملذات الدنيوية و الصراعات السياسية التي تلت الفتوحات الإسلامية الكبري ،

و في مسعي للتمسك بالقيم الروحية و تزكية النفس و الإقتداء بنهج النبي صلي الله عليه و سلم و الصحابة رضوان الله عليهم في التقشف و العبادة .

تطورت هذه النزعات لاحقا إلي طرق صوفية منظمة لها أوراد و مشيخة و زوايا بدءا من القرن الخامس الهجري ، 

فظهرت تلك الطرق بمسميات و تجليات و فروع متباينة نتيجة إختلاف أساليب التربية ( الأوراد ) التي وضعها الشيوخ، 

( كالقادرية ، الرفاعية، الشاذليه، التيجانية ، الجنيدية ، الخلوتية، النقشبندية ، الدسوقية ،الموريدية ،الأحمدية ، الأكبرية ، السعدية ... الخ .

في حين تفرعت عن هذه الطرق الرئيسية طرقا أخري فرعية إمتدادا للأصل ( أصل له جذور ) .

تتمتع بحضور قوي و إنتشار واسع خاصة في شمال و غرب إفريقيا و منطقة الساحل ،

كالطريقة الحموية التيجانية، التيجانية الحافظية ، التيجانية الإبراهيمية ، القادرية الفاضلية ، القادرية الكنتية ، القادرية المحمدية ، القادرية الجيلانية ، القادرية النورية ، الشاذلية الغظفية ، العلاوية ، الزبانية ، القاسمية ، الدرقاوية ، العزمية ، الضيفية... الخ .

مع خصوصية الذكر و الأوراد أو الوظيفة لكل فرع .

لها هي الأخري هياكل تنظيمية و مقرات رئيسية و فرعية تحتضن إحتفالات دينية و تخلد المولد النبوي الشريف بشكل موسمي و منتظم ،

تشكل وجهة و قبلة تجذب آلاف الموريدين و الأتباع و المحبين من كل بقاع العالم . 

تتفق هذه الطرق و تتقاطع في قالب واحد ( التربية الروحية ) و أهمية الإلتزام بالكتاب و السنة و تزكية النفس و التقيد بظاهر الشريعة و باطن الحقيقة للوصول إلي الله .

حيث تعتمد الطرق الصوفية بشكل عام علي مجموعة ممارسات دينية تقوم علي نبذ الدنيا و التفرغ للطاعة و العبادة بالإضافة إلي مجموعة من الأوراد و الأذكار تغذي الروح وتزكي النفس

وتربي الإرادة و توحد الإتجاه .

و هو ما جعلها اليوم تعد و تعتبر من أهم المصادر الأساسية لغرس القيم الدينية الصرفة خاصة في ظل انتشار لاحدود له لعولمة ساقطة غزت البيوت و أستباحت الأعراض بهدف طمس الهوية الثقافية الإسلامية و تدمير التقاليد المحلية و تعزيز التغريب ، 

و علي نحو انحدرت فيه و تراجعت معه القيم المجتمعية و الثوابت الدينية و الوطنية .

من جهة أخري تعد الطرق الصوفية الرئيسية القادرية و التيجانية و الشاذلية أكثر الطرق الصوفية إنتشارا و تواجدا في موريتانيا حيث تشكل جزءا أساسيا من النسيج الإجتماعي و الروحي و تتميز إضافة لما سبق بتركيزها علي الزهد و التربية الروحية و محبة الرسول الكريم و تتتشر علي نطاق واسع في عموم البلاد . 

كما لعبت الطرق الصوفية تأريخيا دورا محوريا و مزدوجا في مقاومة و مناهضة المستعمر و رفض مشروعه التوسعي شكلا و مضمونا ،

معتبرة إياه خطرا علي العقيدة و القيم الإسلامية ،

حيث تم إتخاذ الزوايا كقلاع للمقاومة المسلحة و الروحية .

خاصة في شمال و غرب إفريقيا. 

كما قاد بعض شيوخها معارك مباشرة رافضين الخنوع و الإنصياع للمستعمر .

و حافظت علي الهوية الإسلامية و الوطنية .

 رغم محاولات المستعمر المتكررة إستمالة بعض الطرق و المشيخة الصوفية عبر الإغراءات أو الترهيب .

فإن غالبية هذه الطرق ظلت متمسكة بمبدأ المقاومة و الممانعة و الرفض كخيار ثابت ،

من جهة أخري ينظر للطرق الصوفية علي أنها تيار يمثل الإسلام المعتدل و محصن ضد التشدد ،

مما حافظ علي مكانتها في الوجدان الشعبي كمرجع ديني تقليدي. 

و دفع ببعض الأنظمة السياسية لتوظيف التصوف في مواجهة التيارات الإسلامية المتشددة . 

أرتأيت في هذا المقام أن أشاطركم حديث العلامة الجليل و الشيخ الفاضل و المفكر الإسلامي الكبير الفقيد الراحل حمدا ولد التاه 

رحمه الله بواسع رحمته و أسكنه فسيح جناته ،

 من خلال هذا المقطع من مقابلة سابقة له مع قناة الوطنية .

إذ أوضح في خضم كلامه الدور الريادي و التاريخي للطرق الصوفية مؤكدا بالحرف الواحد: لولا التصوف لأختفي الإسلام من بلاد العجم.

كما بين و أصل مضامين و مقاصد الأوراد في مختلف مشارب هذه الطرق.

حيث تتقاطع جميعها في الهيللة و الإستغفار و الصلاة علي النبي صلي الله عليه و سلم .

وهي حالة و ممارسة استمدت شرعيتها وصحتها من القرآن الكريم والحديث الشريف . 

إمتثالا لقوله تعالي في سورة نوح : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا..) . ولقوله ايضا في سورة الأحزاب ( إن الله و ملائكته يصلون علي النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.) صدق الله العظيم .

وكما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم في قوله : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفه و خير ما قلت أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو علي كل شئ قدير ) .

و في إطار حديثه عن صلاة الفاتح أكد مليا العلامة الراحل حمدا فضلها و شموليتها لما تحمله من مدلول و معيار لفظي و معنوي من العيار الثقيل .

 نظرا لما تتضمنه من صيغ وصفات في إحصاء نوعي يناسب قدره و مقداره صلي الله عليه وسلم عند الله و عند الناس.

مدركا الأسس التي قامت عليها صلاة الفاتح لما أغلق و هو ما يسمي بالحقيقة المحمدية لمخلوق خلقه الله قبل خلق جميع الأكوان مما ميزه و فضله علي سائر خلقه و مخلوقاته.

أسأل الله العظيم في هذا اليوم المبارك أن يغفر لي و لكم و لوالدي و والديكم و للمؤمنين والمؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات و أن يرضي عني وعنكم فليس بعد رضي الله إلا الجنة.

و صل اللهم وسلم علي سيدنا محمد الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلي صراطك المستقيم و علي آله و صحبه حق قدره و مقداره العظيم .

 

جمعة مباركة و عام سعيد مليئ بالخير و البركات .

    اباي ولد اداعة .

إعلانات

 

إعلان