المقاربة الأمنية الجديدة بنواكشوط ... ومحاولة الرقص على الجثث...

أحد, 06/20/2021 - 13:26

الأمن هو شعور  بالثقة والطمأنينة التي تدعو إلى أن هناك ملاذاً من الخطر، أو هو " الموقف المترتب على الحاجة إلى الأمن ويرتبط بخاصية (العدوانية) لدى الإنسان البدائي، والتي تبدأ بالرغبة في (امتلاك الذات)" .

وقد شغلت نازلة الأمن الباحثين  في مجال الدراسات الأمنية والاستراتيجية ، وكذا الأفراد والدول، وطال البحث المستويين  ــ  النظري والعملي – وكان السؤال المحوري عن  الطريقة المثلى التي تضمن الأمن والاستقرار في ظل ما يشهده العالم من انتشار للعديد من الظواهر الأمنية التي خرجت عن نطاق سيطرة الدول.

لقد فرضت التحولات العالمية تهديدات جديدة اتسع معها الخرق على الراتق وأصبحت الظاهرة الأمنية عابرة للحدود القومية، وتضاءلت قدرة الدول على احتوائها ، فلم تعد التهديدات الأمنية ذات طبيعة خارجية بل أصبحت الدول تواجه تهديدات داخلية أكثر من التهديدات الخارجية بسبب العولمة وتداعياتها السلبية.

وقد فرضت هذه التحولات الجديدة إعادة النظر في مفهوم الأمن، نتيجة لتزايد نطاق التهديدات التي شكلت خطراً على حياة الأفراد والسكان من فقر، وبطالة، ومرض، وغيرها من الأمور التي لم يعد معها الفرد  آمناً حتى في بيته .

ففي عالم العولمة أصبح الأمن يعني أكثر فأكثر ليس ضمان استقرار مؤسسات الدولة بقدر ما هو المحافظة على التجانس المجتمعي للدولة وضمان أمن مواطنيها باعتبارهم المتأثرين الأوائل بالانعكاسات السلبية للعولمة.

وإذا كان المفهوم التقليدي للأمن اتخذ من الدولة مرجعية له في وضع المقاربات الأمنية، فإنّ هذه التحديات الأمنية الجديدة أحدثت تحولاً في المضامين والمفاهيم.

في السياق المحلي الموريتاني برزت في الآونة الأخيرة إشكالية الأمن بعد حالات القتل والاغتصاب في  العاصمة نواكشوط ــ التي تجاوز عدد سكانها المليون بما يفرضه ذلك من تعقيدات ــ ، وككل الظواهر المحلية واكب الضجيج إشكالية الأمن بموريتانيا ،  وحوّل المطالب الشرعية ــ بخصوصها ــ  إلى عجلات سياسية ، يوضع أكثر من استفهام حول ما ورائياتها ، وهو ما يؤكد ضرورة بناء تصور عقلاني وموضوعي حول هذه الظاهرة ، يبعدها عن الاستغلال السياسي ، ويسلط الضوء على خطورة المخططات التي قد تقف خلف الجريمة ، كما تظهر بشاعة استغلالها ، ليبرز السؤال الكبير من يستغل من ؟ وهل يمكن أن نفكر في إقامة أفراح سياسية مزعومة على أشلاء بلد ممزق ؟

مع كل ذلك يلاحظ المتجول في عاصمتنا "الفتية " أنه في مواجهة التمدد السكاني بكل ما يبرزه من تحديات يظهر أن هنالك جديدا في المقاربة الأمنية يستحق الوقوف معه تثمينا وتقويما ، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، والنظر دائما إلى الفارغ من الكأس يورث السأم ، والزوايا المتعددة لا يمكن أن تقاس من اتجاه واحد .

جولة ليلية في مقاطعاتنا الأكثر هشاشة (عرفات ، توجنين ، دار النعيم ، الميناء ، الرياض ) تؤكد أن هنالك جديدا في المشهد ، تلخصه العين الساهرة للأجهزة الأمنية المترجمة للاستيراتيجية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية مؤخرا لمواجهة التحديات الأمنية ، وهي الاستيراتجية التي يمكن أن يرى مراقبون أنها :

ــ اعتمدت التخطيط والعقلانية في مواجهة النازلة الأمنية : حيث انتشرت الوحدات الأمنية في الشوارع الرئيسة والأزقة ونصبت  كمائن للحد من حرية حركة العناصر الإجرامية ، وتم دعم العناصر الميدانية وفصل التداخل في المهام بين الدوريات الأمنية والتفتيشية  كل ذلك لبناء سياسة سكينة في العاصمة .

ــ كشفت الجاهزية الأمنية في الشوارع بروز سياسة جديدة لمعاجلة الظاهرة استباقيا بدل التفاعل معها بعديا ، وهي مقاربة كثيرا ما طالب بها المواطنون والمتخصصون .

ــ حديث مواطنين كثر عن تفاعل دوريات أمنية مع نداءات النجدة أمر يبشر بالخير لكنه لا يكفي فما زالت الأرقام الخضراء محدودة التأثير في مكافحة الجريمة ، بطيئة التفاعل مع الصرخات .

إننا حين نرجع البصر كرة في محيطنا المضطرب إقليميا ودوليا بل والمشتعل أحيانا ندرك أننا ما زلنا بخير ولله الحمد ، إلا أن ذلك لا يعني أننا وصلنا إلى مبتغانا من الأمن والأمان بل ما زالت تفصلنا عنه أشواط ، وإن كان رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ، ولعل هذه الخطوة تمثلت في دخول شخصيات إدارية عرفت بصرامتها وجديتها ضمن التعيينات الأخيرة ، التي ينتظر منها أن تلبس الداخلية لبوس المهنية وتنعكس إيجابا على السكينة العامة .

ربما فات على الداعين على مواقع التواصل الاجتماعي لاستعمال الرصاص الحي في مواجهة المجرمين المدججين بالأسلحة البيضاء، أن المقاربة الأمنية ليست هي الحل الأمثل للحد من هذا الإشكال الذي يقض مضاجع المواطنين ، فبالرغم من أهمية المقاربة الأمنية في التعامل مع الاعتداءات المسلحة، فإنها أحيانا تكون غير كافية إذا لم تُربط بمجهودات المتخصصين في مجال التربية ومجال الإدماج والرعاية اللاحقة ومجهودات مؤسسات المجتمع الأخرى من قبيل الأسرة والمدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي..

فأين هؤلاء جميعا ؟ ولما ذا لا نسمع لهم ركزا ؟

إنها إذن خطوة في الاتجاه الصحيح ــ بحسب متابعين ــ  تستحق التثمين بالقدر الذي يجب أن ترفض به محاولات استغلال الوضع الأمني لتسجيل نقاط سياسية في مرمى هذا الطرف أو ذلك ، فالرقص في المآتم لا يناسب الكبار ، وزعزعة الأمن والاستقرار لن تكون في صالح أحد .

وبالجملة فإن الأمن ضرورة يجب أن تبذل الدولة كل الجهود لتحقيقه ، لأنه لا تنمية بدون أمن ، إلا أنه في الوقت ذاته يجب الابتعاد عن استغلاله سياسيا ، كما أن تثمين المنجز فيه قد يكون له أثره المحوري في تكريس مقاربة أمنية مهنية واحترافية يرى مراقبون أن معالمها تلوح في الأفق .

 

نوافذ

 

 

إعلانات

إعلان